تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

هل يمكن قيام تحالف أمني عربي على غرار الناتو؟

أمام محاولات تنظيم الدولة الإسلامية لتغيير النظام الإقليمي، لا بدّ للدول العربية من إنشاء تحالف أمني على غرار الناتو لحماية وجودها.
A burnt vehicle belonging to Iraqi security forces is pictured at a checkpoint in east Mosul, one day after radical Sunni Muslim insurgents seized control of the city, June 11, 2014. Sunni insurgents from an al Qaeda splinter group extended their control from the northern city of Mosul on Wednesday to an area further south that includes Iraq's biggest oil refinery in a devastating show of strength against the Shi'ite-led government. REUTERS/Stringer (IRAQ - Tags: CIVIL UNREST POLITICS TPX IMAGES OF THE DAY

قتل محاربو الدولة الإسلامية أكثر من 600 يزيدي كردي في الأسابيع الأخيرة، وتم خطف أكثر من 100 امرأة وطفل، وتشرّد عشرات الآلاف من منازلهم. أظهرت القوى العالمية بعض التعاطف، وألقت طائرات النّقل العسكري عدّة أطنان من الطّعام والمياه في المناطق التي حُوصِرَ فيها اليزيديون في جبال سنجار في شمالي العراق. استعملت أيضًا الولايات المتحدة طائرات من دون طيار لشنّ هجمات محدودة على جيوش داعش في المنطقة. وهذا فصل آخر من اعتداءات داعش على الأقليات التي شملت اضطهاد المسيحيّين في الموصل الذين أُجبِروا على الاختيار بين دفع الجزية، كإشارة على خضوعهم لداعش وسلطته التي تنظر لغير المسلمين كمواطنين من الدرجة الثانية - وبين مغادرة منازلهم.

لا يتوقف ذلك عند حدود العراق وسوريا، فمؤيدو هذه المنظمة - التي انشقت عن القاعدة - موجودون في كلّ بلد من المنطقة؛ في الواقع، في كلّ بلد يعيش فيه المسلمون. لم يعد يقتصر الأمر على الدعم فحسب، بل أصبحت إيديولوجية التطرّف والعنف منهجاً يسمح لغير المنخرطين فيه تنظيمياً بالانتساب له فكرياً، بحيث يمكن للمتطوّعين والمؤمنين بفكر القاعدة وداعش وغيرهما، اتخاذ القرارات بصورة لا مركزية، والقيام بتنفيذ هجمات تدعم أهداف وتوجهات التنظيمات الأم، بما يشبه نظام الفرانشايز!

يأتي التأثير المتزايد للمحاربين الإسلاميين بعد قرن تقريبًا على اتفاقية سايكس بيكو وغيرها من الترتيبات والوعود المتضاربة التي قدمتها القوى الاستعمارية لمختلف الأطراف، فولدت العديد من دّول الشرق الأوسط من رحم تلك الحقبة، وهي تحمل في شفرتها الوراثية صراعات كامنة نتيجة ذلك التضارب. يعتقد الإسلاميّون أنّ الأنظمة الإقليميّة، بما في ذلك الشّكل الحالي لكلّ من الدول العربية (والإسلامية)، والحدود، والأنظمة الاقتصادية والاجتماعية والتعليمية، والتحالفات والولاءات، تكونت بصورة مخلقة ومصطنعة خصيصاً لخدمة مصالح القوى العالمية، وأن الغرب يجتهد للحفاظ على النظام الإقليمي بشكله الحالي، لاستمرار سيطرته على الموارد الطبيعية في المنطقة وإبقاء المسلمين تحت العبودية ومنعهم من التقدم والوصول لإمكانياتهم الفعلية، ومنع وصول كلمة الله إلى قلوب باقي البشرية.

هناك بعض الحقيقة في أنّ النظام العالمي لا يحقق العدالة التي يتشدق بها قادته، وأن القوى الاستعمارية تتلاعب بالمنطقة وتستخدم أنظمتها السياسية في تسخير دول المنطقة لخدمة مصالح الغرب في الأساس، ونظرة واحدة على المنطقة خلال القرن الماضي تكشف أن دولها تعاني من دورة مفرغة من صراعات لا تنتهي، وخاصة مع قيام إسرائيل والصراعات المستمرة منذ قيامها سواء مع الفلسطينيين أنفسهم أو دول الجوار، علاوة على وجود منظمات موازية وميليشيات مسلحة في العديد من الدول العربية، تعمل دائماً على زعزعة الاستقرار وتأجيج نيران الحروب الأهلية والإقليمية وتقسيم الدول وشرذمتها.

لكن هذه الميليشيات والمنظمات المسلحة من أمثال القاعدة وداعش (وهي سمت نفسها الآن الدولة الإسلامية)، لا يمكن أن تقدم الحل المنشود لاستقرار الدول العربية، بل ينظر لها الكثيرون باعتبارها آليّة تحكّم أخرى، تستفيد منها القوى العالمية في إبقاء المنطقة في حالة احتراب داخلي دائم، كما أن وجودها يؤدي لتفتيت المجتمعات والدول، حيث تقوم على فكر طائفي يضعف خيوط وروابط الانتماء، وهي الروابط التي كانت في الماضي تحافظ على تماسك المجتمعات، والآن تتآكل تلك الخيوط تحت وطأة الهجمات الطائفية فينفرط عقد المجتمعات، وتتكفل النزاعات الناتجة عن الفكر الطائفي بهدم ركائز الدول الحالية وزرع الفوضى والاضطرابات في كافة أنحاء المنطقة لعقود قادمة. في جميع الأحوال، من الواضح أنّ التوجّه الإسلاموي غير مناسب لتقدّم العرب والمسلمين، ولا لتخفيف معاناة الشعوب، لأنه يسبّب انشقاقًا جوهريًا في مجتمعاتهم.

من منطلق المحافظة على النفس، تنبّهت الأسر الحاكمة في السعودية وغيرها من دول الخليج إلى أهمية الحؤول دون انهيار النظام الإقليمي، فتحرّكوا لمواجهة المجموعات المحاربة التي كانوا في السابق من المحسنين إليها. فقد قدمت دول الخليج دعماً كبيراً في الماضي للعديد من المنظمات التي تسترت وراء راية الإسلام لإحراز تقدم عسكري وبناء نفوذ متنام. ربماجاء ذلك الدعم السابق من باب التقوى كمسلمين صالحين أو من باب الاستشراف العملي الموضوعي لأهداف سياسية ضد الاشتراكيين والتقدميين. أدرك كلّ من الملك عبد الله بن عبد العزيز ملك السعودية وحكّام الإمارات العربية المتحدة أنّ داعش والقاعدة يشكّلان تهديدًا وجوديًا لحكمهم وللدول العربية بشكل عام. ولذلك أتى دعمهم للجيش المصري ولعبد الفتاح السيسي بهذه القوّة والكرم المالي بمستويات تتخطّى كلّ المساعدات المقدّمة في السابق.

لكن بما أنّ الميليشيات تتعاون بين بعضها على صعيد عالمي، لا بدّ من وجود منهج إقليمي ودرجة عالية من التعاون بين الجيوش وبين هيئات الاستخبارات وأجهزة مكافحة الإرهاب، من أجل مواجهة التّحدّي بشكل فعّال. اعتمدت دول الخليج في السابق،وبشكل شبه كامل، على الولايات المتحدة لضمان بقائها، وقيادة الجهود الأمنية وتلك المناهضة للإرهاب التيتحافظ على النظام الإقليمي وتسمح للدول بمواصلة حكمها، لكن لعدّة أسباب، لا تبدو الولايات المتحدة حاليًا اللاعب الأنسب للاستمرار بتأدية هذا الدور، ما يعني أنّ السعوديين سيضطرّون للعمل بمفردهم أو لإيجاد شركاء آخرين. في الواقع، تتحمّل الولايات المتحدة جزءًا كبيرًا من مسؤولية انهيار النظام الإقليمي، وسواء جاء هذا بصورة متعمدة، أو كنتيجة لانعدام الكفاءة وضعف الفهم الثقافي لدى القائمين على صناعة السياسة الخارجية، أو بسبب تباين المصالح، فالأمر سيان، والنتيجة واحدة. فاجتياح العراق بمبررات كاذبة عن وجود أسلحة دمار شامل بها، ثم تسريح الجيش العراقي، وغيرها من قرارات وسياسات، أدت لتفاعل متسلسل سقطت معه العراق كحجر دومينو، أدى إلى الوضع الذي نشهده اليوم. لكن الدول العربية نفسها وأنظمتها، لم تسمح لمجتمعاتها بأن تتطور بصورة كافية، بما أضعفها ويهدد اليوم بقاءها.

يُنشئ هذا الوضع حاجة ملحّة إلى قيام تحالف أمني إقليمي تتعاون بموجبه الجيوش المصرية، والسعودية، والإمارتية وربما الجزائرية بالإضافة إلى المنظّمات الاستخباراتية التابعة لهذه الدول، من خلال مؤسسة رسميّة شبيهة بمنظّمة حلف شمال الأطلسي (الناتو) بهدف ملء الفراغ الذي يُفسح المجال أمام داعش وأمثاله لإحراز تقدّم سريع بدون مقاومة؛ وقد تصبح أيضًا روسيا شريكًا مهمًا في هذا التّحالف. هذا التحالف إن نجح، سيخلق نواة ونقطة جذب، يمكن أن تشد العديد من الدول العربية الأخرى لتنضم إليه، ربما حتى تحت مظلة الجامعة العربية في المستقبل. يرى الجيش المصري أنّ مثل هذا التحالف مهمّ، لكنهّ يعلم في نفس الوقت أهمية وجود موافقة من السلطة التشريعية للمصادقة على الترتيبات والتفاصيل التي تتراوح من بنية القيادة ومسائل سيادية، إلى اللّوجستيات ومخصّصات الميزانية. هل يعني ذلك الانتظار حتى يتم الانتهاء من تشكيل برلمان مصري؟ بما أنّ الأمر مستعجل، يمكن للسيسي، إذا أراد، استعمال صلاحياته التشريعية المؤقتة أو استخدام الأطر القانونية الموجودة ممثلة في اتفاقيات الدفاع العربي. يملك الخليج بالفعل تحالفًا أمنيًا هو قوات درع الجزيرة المشتركة، لكن قطر ربما تمثل عقبة أمام هذا التحالف، وقد تُجبَر حتى قريبًا على الخروج من مجلس التعاون الخليجي، إذا استمرت في المماطلة وعدم تنفيذ ما تعد به في المهل المحدّدة.

هذا التحالف الناشئ ضروري وحيوي لبقاء هذه الدول، لكنّه قد لا يكون كافيًا بمفرده. إنّ مخطط العلاقات معقّد جدًا، وتمثّل الخطوط الخضراء والحمراء فيه الدعم أو العداوة بين المجموعات المحاربة مثل داعش، والقاعدة، وجبهة النصرة، وحماس وحزب الله، والأنظمة في سوريا، وإيران، والسعودية، ومصر بالإضافة إلى الدول والكتل الأخرى (الولايات المتحدة، وروسيا، والاتحاد الأوروبي). هو يبيّن أنّه حتى بين الحلفاء، قد يدعم أحد الشركاء مجموعة مسلحّة معينة أو نظامًا معينًا، في حين قد ينظر شريك آخر في التحالف إلى الكيان عينه كعدو لدود.

هذه التشابكات المتناقضة والعلاقات الغامضة ليست فقط وليدة الظروف، بل تشي بتباين جوهري في الأولويات ومناهج التفكير بين الحلفاء، وهي مشاكل يجب التّعامل معها ومعالجتها في هذه المرحلة، من أجل إنجاح التحالف المقترح على المدى البعيد. يجب على الأقل تنظيم الأولويات المتناقضة، حتى لو لم يكن من الممكن حلّ الخلافات الجوهرية في المدى القصير. يمكنني القول إنّ أحد الأسباب الرئيسية خلف هذا التعقيد، والذي يحول دون استمرار التعاون العربي بنجاح على المدى البعيد، هو التركيز السعودي المفرط على الانقسام السني الشيعي. هذا الانقسام طائفي من دون شك، ولا يمكن للمرء شنّ حرب ناجحة ضد داعش والقاعدة، اللذين يستعملان الفكر الطائفي كأداة تحفيز لحشد الدعم الشعبي وتجنيد المقاتلين والمتطوعين، باستعمال الفكر الطائفي عينه.

هذه لحظة تطوّر تاريخية بالنسبة للسعودية من أجل نبذ الانقسام السني الشيعي،كأساس لهويتها الوطنية وتحالفاتها، وإحلال واعتماد فكرة "المواطنة" كأساس للانتماء بدلاً منه، بما يشبه إلى حدّ ما ذلك الذي يربط المصريين ببعضهم. هذا الشعور القومي بالمواطنة، بدلاً من الهوية الطائفية، هو الذي أعطى المصريين حسًا بالأخوّة والزمالة بما جعل سمح المسلمين مثلاً ينددون بهجمات الإخوان المسلمين وأنصارهم على الكنائس المسيحية بعد الإطاحة بالرئيس السابق محمد مرسي، وسمح للمسيحيين بالصّمود في وجهتلك الاعتداءات، إذ شعروا أنها ذات هدف سياسي وليست صراعاً طائفياً. ولربما كان هذا هو الرابط الذي وحّد في السابق سوريا، وليبيا، والعراق والسودان قبل أن يتسبب الانقسام الطائفي في تفتيت تلك الدول، وتحويلها إلى شظايا متفجرة، وما نتج عن ذلك من معاناة لا توصف.

إذا استطاعت السعودية تحقيق هذه النقلة النوعية الآن، قد يكون أي شيء ممكنًا، بما في ذلك التّعاون مع حزب الله - وحتى إيران!

More from Wael Nawara

Recommended Articles