تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

المَدَني المُنْتَظَرْ

إن على الرئيس القادم في مصر، بغض النظر عن هويته، القيام بثلاثة أمور، من ضمنها جمع الأحزاب السياسية معا كي تتمكن مصر من إعادة بناء اقتصادها ومؤسساتها السياسية
A supporter of Egypt's army chief Field Marshal Abdel Fattah al-Sisi wears an image of him around her neck as she rallies outside a police academy, where the trial of ousted Egyptian President Mohamed Mursi and members of the Muslim Brotherhood is due to take place, on the outskirts of Cairo, February 16, 2014. Mursi appeared in court on Sunday on charges of conspiring with foreign groups to commit terrorist acts in Egypt, in a further escalation of the crackdown against his Muslim Brotherhood. The image of

كنت قد كتبت عن المحاذير والفخاخ التي تنتظر مصر والمؤسسة العسكرية   في حال أصبح المشير عبد الفتاح السيسي رئيساً لمصر. ومع اقتناع الكثيرين بالحجج التي طرحتها ورفض البعض لها إلا أن الجميع طرحوا السؤال نفسه: إن لم يكن السيسي، فمن؟! وإجابتي كانت ببساطة، لا فرق! وبالطبع قوبلت إجابتي بكثير من الدهشة وأحياناً أيضاً بالاستهجان ولكنني هنا سأفصل الأسباب التي تدفعني لأن أعتقد بل وأؤكد أنه لا فرق!

لن أطيل الشرح في حجم المشكلات التي ستواجه الرئيس القادم من أزمة اقتصادية طاحنة إلى مطالب فئوية، إلى أزمة طاقة وديون خارجية وداخلية متراكمة، وما إلى ذلك من مشاكل أخرى ... والمشكلة الأسوأ من هذا كله شعب بات منهكاً في ظل ثلاث سنوات ثورة، فاقداً للأمل ويريد مُخَلِّصاً. الكل يعرف حجم العبء الذي سيُلقى على عاتق الرئيس القادم. البعض يتوقع فشله والبعض يتمنى نجاحه والبعض الآخر سيعمل على إسقاطه. أما الشيء المؤكد هو أنه لا يوجد أحداً في مصر ولا حتى المؤسسة العسكرية نفسها وعلى رأسها السيسي يستطيع تحمل العب وحل كل تلك المشكلات وحده، ولذا أقول، لا فرق.

أضف إلى كل تلك المشكلات أنه خلافاً لحالة الإخوان المسلمين، فليس هناك من بين التيار المدني أو الديمقراطي من لديه كيان قوي ومنظومة تمتد جغرافياً في مصر كلها ولها جذور مجتمعية. ولذا فأي مدني قادم لن يكون لديه من الكوادر المنتمية لتياره ما يكفي لتحمل مسؤولية دولة بالكامل، من وزارات إلى محافظات إلى دواوين إلخ... ولذا يتساوى كل المدنيين المحتملين للرئاسة في عدم قدرتهم على تسيير الدولة وحدهم، ولذا أقول، لا فارق.

أما التحدي الأكبر فهو أجهزة الدولة نفسها وعلى رأسها الأجهزة الأمنية والسيادية، وهي خارجة من تجربة حديثة مريرة مع جماعة الإخوان المسلمين وثقتها في القادم المدني معدومة مسبقاً وفي حالة ترقب وتحفز. فكيف لذلك المدني المنتظر الذي يجهل كل شيء عن تلك الأجهزة حتى عدد طوابقها أن يتعامل معها، بل ويرأسها، بل ويوجهها تبعاً لسياساته؟ هيهات!

وبالطبع تبقى المؤسسة العسكرية وعلى رأسها السيسي الطرف الأقوى في المشهد السياسي ومحركاً أساسياً لكثير مما سيجري أياً كان المدني القاد. طرفاً من القوة بحيث لا يسع أي مدني قادم إلا أن يتعاون معه تعاون كامل، بل في بعض الأحيان يكون القول الفصل في بعض الملفات مثل العلاقات الخارجية والأمن القومي والتسليح للمؤسسة وليس للرئيس. موقف ملتبس وغير مرضي للكتلة المدنية الثورية ولكنه واقع اليوم شئنا أم أبينا ويجب التعامل معه بحكمة والاستفادة منه أيضاً إن أمكن.

المسؤولية جد خطيرة وعوامل الفشل أكثر بكثير من عوامل النجاح ولكني أزعم أن ثمة معادلة يمكن أن يكون فيها الجميع رابح – إلا جماعة الإخوان المسلمين التي اختارت ألا تكون جزءاً من خارطة الطريق – ولكن تلك المعادلة تحتاج الكثير من الحكمة من كل أطراف الصراع السياسي.

إن من مصلحة المؤسسة العسكرية أن تصل مصر إلى حالة من الاستقرار. وبداية تحرك الاقتصاد المتعطل منذ ثلاث سنوات، كما أن من مصلحتها أيضاً أن تنتهي ثنائية الصراع بينها وبين الإسلام السياسي وتتحول دفة الصراع إلى وجهة أخرى، فهذا من شأنه أن يلغي خطر التجربة التركية الحاضرة في وعيهم لا محالة! بل أنه وفي ظل صراع دولي وإقليمي فمن المحبذ جداً تقسيم المسؤولية وبالذات المدنية مع أطراف وطنية أخرى، بحيث تفرغ تلك المؤسسات العسكرية والسيادية لإعادة بناء قدراتها وترتيب البيت داخلياً. ذلك بدلاً من تحمل المسؤولية كاملة لملفات مثل الغاز والقمح وأن تتدخل عند الحاجة وحسب  ، سواء بطلب من الرئيس أو في حالة تصاعد أزمة أو خطر. وإن كنت أطلب من المؤسسة العسكرية مساعدة المدني المنتظر، فإني أطلب منه هو الاستماع بل والإنصات وألا يكرر خطأ الإخوان ويفقد ثقة تلك المؤسسات.

وبغض النظر عما سيفعله الرئيس في الملفات الاقتصادية والاجتماعية فإنه في اللحظة الآنية ثمة ثلاث مهام يجب أن ينجح فيها لاستكمال مدته الرئاسية وتقديم خدمة حقيقية للثورة المصرية.

أول تلك المهام هو أن يدعو ويقنع كل أطراف الطيف السياسي بتحمل المسؤولية معه في إدارة الدولة بما في ذلك خصومه السياسيين بما في ذلك التيار السلفي، وحث الجميع على تقديم الكفاءات والتعاون الحقيقي. فالرئيس القادم وبعد اختيار الإخوان المسلمين ألا يكونوا طرفاً في المعادلة السياسية الحالية وفي ظل الأزمة الحالية لا يملك رفاهية استعداء أي تيار سياسي آخر وبالقطع فإنه ينتحر سياسياً إذا حاول تحمل المسؤولية وحده.

أما المهمة الثانية فهي أن يقوم بتطهير وإعادة هيكلة وتأهيل جهاز الشرطة وتغيير عقيدته من حماية النظام إلى توفير الأمن للمواطن. وشئنا أم أبينا – مرة أخرى – فسبيله الوحيد للنجاح في ذلك هو أن يقنع ويضغط على المؤسسات العسكرية والسيادية على معاونته في ذلك. إن وزارة الداخلية بعقيدتها وتدريبها وهيكلها الحاليين شوكة في ظهر أي نظام وسبب رئيسي في الاحتقان السياسي والمجتمعي. فمحاولة كبح جماحها لا تكفي وقد أثبتت فشلها ثلاث مرات منذ بداية الثورة. مهمة صعبة ولكنها الأهم.

أما المهمة الثالثة والخدمة التي يستطيع تقديمها الرئيس المدني القادم لمصر فهي إتاحة الفرصة للأحزاب والحياة السياسية عامة للعمل بحرية وبدون تدخل من الأجهزة الأمنية للسيطرة أو التخريب وكبح السلطة في محاولتها السيطرة على تلك الأحزاب. بل وعليه مساعدة تلك الأحزاب على النمو وبناء الكوادر وتأصيل جذورها المجتمعية وخلق حياة حزبية صحية سليمة – كانت غائبة – في مصر لتصبح قاعدة البناء لنظام ديمقراطي حقيقي لتكون الأساس في محاربة التطرف وتحمل مسؤولية الدولة بكوادر سياسية انتمائها للمجتمع التي خرجت منه وليس للسلطة.

قد تبدو هذه المعادلة حالمة ولكنها في رأيي الأكثر واقعية إذا أرادت الأطراف السياسية الفاعلة تفادي ارتطام الدولة المصرية وتحطمها   بحائط الأزمة الاقتصادية والإرهاب وتحديات الإرادات الإقليمية والدولية المتعارضة مع رؤيتنا لمصلحة مصر. وعودة للسؤال الأساسي، من غير السيسي وأقول مجدداً، لا فارق. إن الخلاص ليس في الشخص المدني المنتظر ولكن في تعاون كل الأطراف السياسية باختلاف مصالحها على العمل معاً للخروج من الأزمة وإلا فالارتطام قادم لا محالة وسيصيب الجميع.

More from Alfred Raouf

Recommended Articles