تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

مصر، فخاخ كثيرة وطريق آمن واحد

RTX17VEB.jpg

تعيش مصر هذه الأيام حالة من الترقب في انتظار قرار النظام. هل يترشح السيسي للرئاسة ممثلاً عن المؤسسة العسكرية ليضع المؤسسة العسكرية والجيش المصري في مقدمة المشهد السياسي وعلى خط المواجهة؟ أم يصون المؤسسة العسكرية ويظل وزيراً للدفاع؟

وأود هنا أن أعبر عن رأي أزعم أن الكثير من القوى الثورية المدنية وشبابها والمساندين لها يشاركوني إياه وإن لم يستطيعوا التعبير عنه في ظل أحادية الإعلام التي نعيشها الآن.

بدأً، أود أن أؤكد للنظام وللجميع أننا كشباب في حركات ثورية مدنية وأحزاب ما بعد الثورة نعلم جيداً أنه ليس ثمّة من ارتباط بين تبوؤ السيسي أو أي مدني آخر سدة الرئاسة ، وبين طريقة تعامل النظام معنا، سواءً بالاستيعاب أو القمع. فلسنا غافلين أو متوهمين أن رئيساً مدنياً سوف يكون له أي تأثير حقيقي على وسائل السلطة في القمع السياسي سواءً المؤسسات الأمنية أو النيابة والقضاء. ولذا، فإن نصائحنا بعدم ترشح السيسي لا تنبع من قلقنا من بطش النظام في حالة أتى رئيساً، فالنظام يستطيع اختيار قمعنا من عدمه سواء أصبح السيسي رئيساً أو لا، وإنما ينبع ذلك من خوفنا على المؤسسة العسكرية وعلى مصر وعلى المسار الديمقراطي الذي هو الطريق الوحيد الآمن لمصر.

لا يخفى على أحد أن رئيساً من المؤسسة العسكرية يضع مسؤولية على الجيش ليست هي من اختصاصاته بل وأنها تشتت تركيزه عن مسؤولايته الأساسيةوتضعه في مواجهة مباشرة مع المواطن ومع جميع مطالبه، فئوية كانت أم عامة. كما أنها تضع عبء اتخاذ قرارات كثيرة صعبة ومؤلمة مثل رفع الدعم وإجراءات تقشفية على كاهل رئيس من المؤسسة العسكرية وسط حالة اقتصادية متردية يتنبأ الكثيرون أنها ستؤدي إلى العديد من الاحتجاجات. وسيكون سبيل النظام الوحيد في التعامل معها هو محاولة قمعها إذ لا يملك الآن الكثير ليقدمه، تماماً مثلما حدث في حقبة الستينيات مع حركات التحرر في أفريقيا حيت تحول السلاح من مواجهة المستعمر إلى قمع المواطنين المنتظرين لمكاسب التحرر والرخاء الوهمي بعيداً عن معطيات الواقع. إنه وضع ملتبس وسيء للمؤسسة العسكرية وفخ يجب تفاديه. وإن ادعى البعض أن هذا الوضع السيء الذي سيضع الجيش نفسه فيه ما هو إلا إحساسٌ بالمسؤولية من الجيش اتجاه الوطن، فإن الرد ببساطة هو أنه لا يوجد ما يمنع الجيش من تقديم كل العون وفعل كل ما يخطط له من مساعدة للوطن في وجود رئيس مدني من خارج المؤسسة، فمن ذا الذي سيستطيع منع أو حتى محاولة منع الجيش كمؤسسة وطنية من تقديم يد العون للوطن وللمواطنين، خاصة وأن الدستور يحصن وزير الدفاع والمؤسسة العسكرية ككل؟ بل أن هذا سيضع الجيش في موقف المعاون لا المسؤول وهو بالقطع موقف أفضل بكثير ويستدعي حباً وتقارباً أكبر من الشعب اتجاه الجيش. وبناءً على ذلك فإن السؤال الذي يفرض نفسه، هل الهدف الحقيقي من ترشح السيسي هو الإحساس بالمسؤولية اتجاه الوطن أم استحواذ المؤسسة العسكرية على السلطة السياسية؟

تأتي أيضاً في ظل الوضع الحالي مسألة التصدي للإرهاب ولجماعة الإخوان المسلمين وتظاهراتهم واحتجاجاتهم التي تخرج في أغلب الأحيان عن السلمية. وأود أن أؤكد أن منتهى آمال جماعة الإخوان ومن يساندونها من الجماعات التي تعلن تنفيذها لعمليات إرهابية هو أن تتصدر المؤسسة العسكرية المشهد وأن يترأس أحد أعضائها – وبتفويض منها - السلطة السياسية. هذا يعزز روايتهم عن أن ما حدث كان انقلاباً من المؤسسة العسكرية هدفه الاستحواذ على السلطة، كما أنه استمرار للثنائية والمتلازمة التاريخية وهي صراع المؤسسة العسكرية والإسلام السياسي على السلطة، فكل ما سيتم اتخاذه من إجراءات لمكافحة الإرهاب - سواء اتفقنا أو اختلفنا على أنه فعلاً مكافحة للإرهاب - سيصور على أنه محاولة من المؤسسة العسكرية العاملة بالسياسة لقمع منافس سياسي.كما أن تقدم المؤسسة العسكرية لصدارة المشهد السياسي يسهل علي جماعة الإخوان ومناصريها داخلياً وخارجياً انتقاد المؤسسة والتشهير بها والإيقاع بها أيضاً، وهذا فخ آخر لا يجب الوقوع فيه. أما في وجود رئيس مدني وفي ضوء واقع أن الملف الأمني من صميم عمل المؤسسة الأمنية وعلى رأسها المؤسسة العسكرية، فإن كل ما يجب فعله "لمحاربة الإرهاب" سوف يتم في كل الأحوال ولكن بأمر من وتحت مسؤولية رئيس مدني.

أمران آخران يجب أن تلتفت لهم المؤسسة العسكرية الآن وقبل فوات الأوان وهما وزارة الداخلية والمتزلفين الجدد سواء من النظام القديم أو من المشتغلين بالسياسة بعد الثورة! إنهم الخطر الأكبر على النظام وعلى مصر سواء ترشح ممثلٌ عن المؤسسة العسكرية أو لم يترشح.

إن عودة المؤسسة الأمنية للقمع الممنهج والانتهاكات، من تلفيق التهم إلى القبض العشوائي إلى العودة للممارسات الاستعلائية على المواطنين إلى محاولات الانتقام من الذين قاموا بالثورة، سيؤدي قطعاً إلى المزيد من الاحتقان وسيؤدي عاجلاً أو آجلاً إلى الفوران الشعبي. إن ما تقدمة وزارة الداخلية في مجال أمن المواطن ومحاربة الإرهاب لا يستوجب ولا يحتاج نهائياً كل هذا الكم من الانتهاكات. بل في الخقيقة، إن وزارة الداخلية بوضعها الحالي تضر أكثر مما تفيد وستثبت الأيام ذلك. إن الاختيار الصائب في تلك اللحظة وقبل كل شيء هو تقويم وإعادة تأهيل تلك المؤسسة مهما كانت قوة تمنَعها ورفضها لذلك ومهما كانت هشاشة الوضع الأمني وإلا فإن النظام الحالي سيلقى مصير سابقيه.

أما عن المتزلفين الجدد فإن المؤسسة العسكرية وعلى رأسها السيسي يجب أن تعي أن مصلحة مصر ومصلحة المؤسسة العسكرية هي بناء ديمقراطية تعددية حقيقية في مصر وليس السيطرة على المؤسسات السياسية كالأحزاب، وزراعة أذرع لها داخل هذه الأحزاب للسيطرة عليها كما كان يفعل نظام مبارك. إن الكفاءات الوطنية الحقيقية سترضى بالتعاون مع المؤسسة العسكرية والنظام ولكن أبداً لن ترضى بأن يتحكم بها النظام. سترضى بأن تعمل مع النظام من أجل مصلحة الوطن ولكنها ستختار دوماً مصلحة الوطن فوق مصلحة النظام. أما المتزلفين الجدد الذين يسهل سيطرة النظام عليهم ففي حقيقة الأمر ليسوا بكفاءات بل من متوسطي الموهبة، ولهذا فإن سبيلهم الوحيد لأن يكونوا جزءأ من المشهد هو أن يتزلفوا السلطة لترضى عنهم أملاً في مكاسب مستقبلية. هؤلاء ليسوا من يجب على السلطة والمؤسسة العسكرية أن تحيطا نفسيهما بهم فهؤلاء هم الخطر الحقيقي على أي سلطة على مر العصور. أما القوى الثورية وشبابها فيجب التعاون مع الكفاءات الوطنية منهم عوض عن محاولة السيطرة عليهم أو قمعهم. إن أحسن النظام التعامل معهم فسيكونون عوناً لمصر. دعونا نخرج من كارثة "أهل الثقة، لا أهل الكفاءة".

سردت وأطلت عن فخاخ عدة في طريق النظام المزمع بناءه وطريق مصر وطريق المؤسسة العسكرية وأشرت إلى طريق أظن أنه الوحيد الآمن، علَ أحداً يسمع قبل اتخاذ القرار وقبل فوات الأوان!

More from Alfred Raouf

Recommended Articles