تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

القهوة في غزة طقس للحزن والابداع

IMG_0653.jpg

يمسك الشاب جبر أبو هولي إناء القهوة النحاسي ويصب منه للجالسين وينتظر الانتهاء من شرب رشفة القهوة في الفنجان الذي إذا حركته أو وضعت اصبعين فوق فوهته فإنه يعني أنك لا تريد المزيد، لكن اذا أعطيته الفنجان بشكل عادي فسيصب لك المزيد من القهوة السادة.

هذا يحدث صباح ومساء كل يوم بديوان عائلة أبو هولي في جنوب دير البلح وسط قطاع غزة، وهي من العائلات القليلة التي لا تزال تتبع تقاليد القهوة القديمة، حيث زارتهم مراسلة المونيتور مساء يوم الخميس في التاسع من يناير الجاري.

 أمسك المسؤول في الديوان عن صنع القهوة منذ ثلاثين عاماً، مطير ابو هولي (55عاماً)، بمقلاة حديدية طويلة تسمى "محماس" ووضعها على موقد للحطب وفوقها حبات القهوة الخضراء، وأخذ يحركها حتى اكتسبت لونا غامقا، ثم قال للمونيتور :" لا تحتاج إلى أكثر من عشرة دقائق وإلا احترقت"، ووضعها في وعاء فخاري كبير وبدأ يطحنها بذراع خشبية كبيرة تسمى "الهون".

 ويضيف "تعرف القهوة الجيدة من السيئة أولاً من شكل الحبة الخضراء حين تشتريها فاذا كانت ممتلئة تكون جيدة، ثم من رائحتها أثناء تحميصها، كذلك اذا خرج منها قليل من الزيت عند التحميص"، موضحاً أن بعض حب الهيل يتم وضعه أثناء غلي القهوة.

وهكذا مرر الشاب جبر اناء القهوة للمرة الثانية على الحاضرين الذين اتفقوا أنهم لا يجدون في المدن أو المحال قهوة بطعم قهوتهم التي يشربوها طازجة في ديوان العائلة.

مُختار العائلة عبد القادر أبو هولي (85 عاما) والذي يظهر في صور معلقة على جدار الديوان القديم مع ياسر عرفات والرئيس محمود عباس يقول أنهم كأهل بادية في القطاع فإن طقس القهوة يجمعهم منذ أكثر من مائة عام.

ويضيف: "لم نتخلَ لحظة عن تحميص القهوة وشربها لأنها رمز محبة ووحدة، ولها رونق خاص حين يتم اعدادها امام الحاضرين، فالنار تبقى مشتعلة 24 ساعة وفوقها إناء القهوة".

خط إنتاج عالمي

ومن تقاليد القهوة القديمة إلى أحدث طرق انتاجها في مصنع "بدري وهنية" للقهوة الذي كان يعد ثاني خط انتاج في العالم العربي بعد الجزائر وذلك بحسب مدير المصنع محمد هنية الذي قال للمونيتور أثناء جولة بين آلات المصنع الضخمة: " كلفنا خط الانتاج هذا حوالي 800 ألف دولار وقد اشتريناه في عام 2004 من شركة ايطالية، بعده أصبح هناك خط آخر في اسرائيل وخط في الأردن وقبله كان هناك خط الجزائر".

تنبعث رائحة القهوة القوية من آلات خط الانتاج الضخمة في مصنع بدري وهنية القائم بحي النصر بغزة، حيث يتم فلترة حبات البن وتحميصها وطحنها وخلطها ثم فرزها في النهاية إلى ستة أنواع منها الخصوصي والقهوة الشقراء والسوداء ليتم تعبئتها آلياً بالأكياس.

وبحسب هنية فان أكثر الدول التي يستورد منها القطاع القهوة هي الهند والبرازيل وأثيوبيا وكوستريكا وكلومبيا وكينيا، موضحا أنه وفقا لقاعدة البيانات التي لديهم والأرقام فان هناك 6 طن قهوة يتم استهلاكه يوميا بمعدل فنجانين قهوة لكل مواطن على اعتبار ان هناك 450 ألف مواطن يشربون القهوة.

ويذكر "افتتحت شركتنا أول منفذ لبيع القهوة عام 1979 وكان والدي فؤاد وعمي زهير وشريكهما أبو أحمد البدري هم أول من فكروا بفكرة تحميص وطحن القهوة آلياً وتوزيعها على المحال"، موضحاً أن ما ميزهم هو التطوير المستمر حتى أصبحت هناك مقاهي باسم قهوتهم "مزاج" أو "MODE" بالإضافة إلى صنع الحلويات والمعجنات.

ويرجع هنية ازدياد استهلاك القهوة في القطاع إلى غياب أنواع أخرى من المشروبات، كذلك أصبح هناك اعتقاد شعبي أن القهوة يجب أن تصاحبها سيجارة.

بلاد الشام

ومن الصعب أن تدخل بيت في القطاع أو مكتب دون أن تشرب فنجان قهوة بالضبط كما الشاي في مصر، وكما النبيذ في فرنسا، ونادرا ما تُشرب القهوة هنا بإضافة السكر أو الحليب.

ويزيد التصاق القهوة بعادات أهل بلاد الشام وقد غنت المطربة اللبنانية سميرة توفيق للقهوة وقالت بلهجتها البدوية" صبوا هالقهوة وزيدوها هيل"، كما كتب الشاعر الفلسطيني محمود درويش في كتابه "ذاكرة للنيسان" أثناء حصار بيروت في 1982 "في وسع الغزاة أن يسلطوا البحر والجو والبر عليّ، ولكنهم لا يستطيعون أن يقتلعوا مني رائحة القهوة. سأصنع قهوتي الآن"

الأصل

وبحثا عن أصل حكاية القهوة الأولى نجد أن أول من خصص مطحنة للقهوة في البلدة القديمة بغزة في سوق الزاوية عام 1970  كان الحاج حمدي أبو شعبان الذي توفي منذ سنوات.

 ابنه ماهر (59عاما) الذي التقته المونيتور في دكانه بسوق الزاوية باع مطحنة والده قبل خمسة أعوام واكتفى ببيع البهارات يقول " كانت تصل القهوة إلى غزة منذ القدم مع استيراد بقية البهارات والحبوب من البرازيل والهند فلا يمكن زراعتها هنا لأنها تحتاج إلى أجواء حارة"، معتبراً أن طعم القهوة تغير الآن فقد كانت نكهتها بالماضي أجمل.

وعرض ماهر الأكياس التي كان يستخدمها والده في تعبئة القهوة بعد طحنها في مطحنة بدائية، وقد كانت ورقية وصغيرة، وكُتب عليها "قهوة الامتياز" وتحتها رسمة لفنجان القهوة مع اسم والده.

الاسبرسو

وتتنافس في القطاع أكثر من ست شركات على انتاج القهوة، ولكن الشركة التي نجحت بربط الثقافة بالقهوة هي ديليس، فيقول صاحبها الروائي زياد عبد الفتاح عن التأسيس عام 1997 " كنت أفكر لماذا لا يكون تأسيس المقهى ثقافيا قبل ان يكون مشروع استثماري، لذلك أسست مقهى وأنتجت فيه قهوة ديليس وهي كلمة فرنسية تعني لذيذ، وأدخلت معه ثقافة القهوة الاسبرسو".

وبالفعل سرعان ما أصبح مقهى ديليس مكان يرتاده الشعراء والمبدعون والفنانون والمخرجون للنقاش وشرب القهوة إما مخلوطة بالهيل أو نقية كالاسبرسو.

ويضيف عبد الفتاح للمونيتور في لقاء داخل مقهاه" مرت صناعة القهوة بسنين صعبة خاصة في أوقات الحصار واغلاق المعابر وصعوبة ادخال القهوة لغزة والكفاح للحفاظ على نكهتها".

واعتبر أن السبب الرئيسي لرواج مشروب القهوة في غزة أنه مشروب حزن وجدية وليس فرح، ولطبيعة غزة والأحداث التي تمر بها نجد المواطن يقول " أريد ان أشرب فنجان قهوة فأنا اليوم متوتر ومهموم".

More from Asmaa al-Ghoul

Recommended Articles