بات واضحاً أن السباق صار محموماً وقاسياً في سوريا، ما بين المعركة والسياسة، ما بين الميدان والطاولة، أو تحديداً بين "هدف الغوطة الثانية" وهدف جنيف-2. ولأنه كذلك، فإن للسباق المذكور موعداً زمنياً أولياً محدداً، هو 22 كانون الثاني/يناير المقبل.
ويقول أحد زوار العاصمة السوريّة في الأيام الماضية لـ"المونيتور" نقلاً عن مسؤولين سوريّين رفيعي المستوى، إن هذا السباق بين مساعي التسوية وبين محاولات تبديل موازين القوى العسكريّة على الأرض، بات قاتلاً ومأساوياً. وكان مسؤول سوري أمني كبير قد أفاد الزائر نفسه، أن أكثر من ألف مسلح معارض قُتل في منطقة الغوطة الشرقيّة في الأيام الماضية. هناك، حيث تتركّز برأي المسؤول السوري نفسه، آخر محاولات المسلحين المعارضين للحكم في دمشق لتحقيق تقدّم فعلي ونوعي على الأرض يسمح لهم بفرض حدّ أدنى من الشروط على طاولة المفاوضات المقبلة. أما لماذا اختيار هذا المكان بالذات للمعركة؟ فلأنه آخر المنافذ التي يمكن للمسلحين المعارضين أن يقتربوا منه صوب أبواب العاصمة. وذلك مع ما لأي وصول إلى أبوب دمشق من رمزيّة في العسكر والسياسة، خصوصاً بعد سلسلة الانكسارات المتتالية على الجبهات الأخرى من حلب إلى حمص إلى منطقة القلمون المحاذية للحدود مع لبنان. من الغوطة الشرقيّة يمكن لأي تقدّم عسكري مسلح أن يسيطر على مطار دمشق الدولي وأن يصير على مرمى حجر من الحدود الإداريّة للعاصمة.
ولأن المعركة باتت تحمل هذا الطابع المركزي وشبه المصيري، ينقل الزائر نفسه لموقعنا عن أكثر من مسؤول سوري التقاه، تأكيداً لوجود معلومات لدى جهات سوريّة رسميّة عن أن عناصر سعوديّة باتت متورّطة في الحرب إلى جانب المسلحين المعارضين على أرض الغوطة الشرقيّة نفسها. وقد ذكر المسؤولون السوريّون أنفسهم أن لديهم معلومات وأدلة تؤكد صحّة ما نقلته وسائل الإعلام عن هذا التورّط السعودي. لكن في المقابل ينقل الزائر نفسه لـ"المونيتور" كلاماً من دمشق يوحي بأن الجيش السوري مرتاح في معركته تلك، نتيجة تنسيق أمني يقيمه مع جهات رسميّة أردنيّة، تزوّده بمعطيات مهمة جداً عن انتقال المسلحين إلى الداخل السوري وتحديداً إلى منطقة الغوطة.
أما على الجبهة الدبلوماسيّة، فينقل الزائر نفسه أن السلطات السوريّة باتت جاهزة لموعد جنيف–2 في 22 من الشهر المقبل. وقد استكملت الاستعدادات لذلك شكلاً ومضموناً. ففي الشكل بات شبه مرجّح أن يكون الوفد السوري الرسمي برئاسة وزير الخارجيّة وليد المعلم. هذا في حال جاءت المشاركة الدوليّة على مستوى وزاري. وإلا كانت رئاسة الوفد لأحد مساعدي المعلم، الذي تربطه بعدد كبير من المسؤولين الأميركيّين علاقة معرفة وثيقة منذ أيام عمله الدبلوماسي في نيويورك وواشنطن في تسعينيات القرن الماضي. وذلك مع ما لتلك الفترة من خصوصيّة إذ كانت "شهر العسل الأميركي-السوري"، أيام مشاركة دمشق في التحالف الغربي بزعامة واشنطن لإخراج [الرئيس العراقي الراحل] صدّام حسين من الكويت سنة 1991. أما في المضمون، فتصوّر دمشق لعمليّة جنيف-2 واضح: لا شروط مسبقة. ولا انقلابات سياسيّة تحقّق على طاولة المفاوضات، ما عجز المسلحون عن تحقيقه على أرض المعارك. أما مصير سوريا نظاماً وسلطة وأشخاصاً، فيقرّره السوريّون أنفسهم وفق آليات ديمقراطيّة يمكن للعالم أن يتأكد من نزاهتها وشفافيتها.
AL-MONITOR All-Access gives you unlimited access to all our journalism, the full Daily Briefing, exclusive interviews, premium newsletters, and live events — for less than $2/week.