تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

تظاهرات الانبار .. مسارات الزمن .. ومسارات الحل

Residents gather to protest near the house of prominent Sunni Muslim lawmaker Ahmed al-Alwani, in the centre of Ramadi, December 29, 2013. Iraqi security forces arrested Alwani in a raid on his home in the western province of Anbar, sparking clashes in which at least five people were killed, police sources said. Picture taken December 29, 2013.  REUTERS/Ali al-Mashhadani (IRAQ - Tags: POLITICS CIVIL UNREST) - RTX16X7L

ليس من السهل تحديد خريطة طريق حول اليات التعامل المفترضة مع ازمة ما، خصوصاً عندما تخص تلك الازمة بلداً شديد التعقيد كالعراق، وهذا الامر ينسحب على معظم التحديات التي واجهت العراق خلال السنوات العشر الماضية، ومنها ازمة التظاهرات السنية التي تمر هذه الايام الذكرى الاولى لانطلاقها في كانون الاول /ديسمبر 2012.

والتظاهرات التي انطلقت مع صدور اوامر اعتقال بحق عدد من عناصر حماية وزير المالية العراقي رافع العيساوي بتهم الارهاب، غيرت من وجهة اهدافها اكثر من مرة منذ ذلك الحين، واكتفت بشعارات عامة ، يتم تصعيدها او تهدئتها بشكل مستمر.

وفي حين كانت مطالب المتظاهرين تتضارب وتتسع، كانت الجهات المسؤولة عن التظاهر تخفق في كل مرة بانتاج قيادات قادرة على اجراء مفاوضات مباشرة مع الحكومة، حتى انتهى الامر بتفويض حكومة الانبار الجديدة بهذه المهمة، ثم التراجع عن هذا التفويض بعد اسابيع.

الاطراف السياسية العراقية بدورها كانت استخدمت التظاهرات لعام كامل في تمرير سياساتها، فهناك احزاب ساومت باسم التظاهرات السنية للحصول على مكاسب، واطراف اخرى حاولت استخدام التظاهرات لتخويف الجمهور وبث المزيد من التشدد الاجتماعي على امل تجييره انتخابياً.

من جانبها لم تكن الحكومة العراقية طوال عام كامل بعيدة عن التذبذب في تعاطيها مع التظاهرات، في التعامل مع هذه التظاهرات، وهر التخبط في الايام الاولى عندما هوجمت التظاهرات من قبل الحكومة بطريقة مبالغ فيها، ثم تم تدريجياً سحب الاتهامات ضدها وقبول التفاوض معها، قبل ان ينتهي الامر باعلان رئيس الحكومة العراقي في 22 من الشهر الحالي منح المتظاهرين مهلة لاخلاء الساحات، التي قال انها اصبحت وكراً لتنظيم القاعدة.

والحقيقة ان مآل ساحات الاعتصام السنية بات محصوراً في الانبار وحدها، بعد ان كان قد امتد طوال العام المنصرم الى مدن الموصل وتكريت وسامراء وديالى وبعض احياء بغداد، وانسحاب التظاهرات تدريجياً لم يكن مرتبطاً بتحقيق مطالبها من عدمه، بل ان عامل الوقت وسحب الاحزاب الداعمة لها للدعم والغطاء السياسي الذي كانت توفره خصوصاً بعد استخدام التظاهرات كوسيلة للتأثير على الناخبين في انتخابات المحافظات في نيسان /ابريل 2013 ، بالاضافة الى ركوب تنظيم "القاعدة" والمجموعات المسلحة المتطرفة التي تمتلك تاريخاً مؤلماً مع المدن السنية على التظاهرات ومحاولة جرها لتتحول الى حرب اهلية طاحنة، كلها عوامل ساعدت على انسحاب المتظاهرين تدريجياً من ساحات الاعتصام، التي انتهت الى ساحتين في محافظة الانبار هما ساحة الرمادي ، وساحة الفلوجة.

واذا صرفنا النظر عن التدقيق في مطالب المتظاهرين ومدى مشروعيتها، وفي طبيعة استجابة السلطات الحكومية لها، من عدمه، فأن هناك عوامل خارجية كان لها دور في تحديد مسارات الازمة، ودول وجهات اقليمية تداخلت بقوة في صميمها.

السؤال الذي يمكن طرحه اليوم هو : هل كان بالامكان معالجة ازمة التظاهرات خلال المراحل الماضية؟

الاجابة لدى الاطراف المختلفة ستكون مختلفة بدورها، فالحكومة تؤكد انها قامت بكل مايمكن القيام به، لحل الازمة، وشكلت لجان لتدقيق ملفات المعتقلين واطلقت المئات منهم، فيما المتظاهرون ومن يؤيدهم يؤكدون انهم التزموا بسلمية التظاهر رغم الخروقات والمصادمات التي حدثت وابرزها قضية الحويجة.

ان السياسة لاتبنى على قواعد ثابتة، والمنطق السياسي يقول ان من الممكن ايجاد عدد غير محدود من الحلول، لكن نطاق الخيارات والحلول يبدء بالضيق كلما مر الزمن على الازمة وتواترت الاحداث لتعقيدها.

وعلى هذا الاساس فأن حلول ديسمبر 2012 كانت اسهل بكثير من حلول الشهر نفسه من عام 2013 ، حيث التظاهرات في بدايتها والمطالب ضمن سقف مقبول.

لا احد يضمن ان التظاهرات كانت ستتوقف في ذلك الحين لو ان الحكومة قدمت استجابات سريعة، وفتحت حوارات فورية مع زعماء العشائر ورجال الدين الذين دعموا التظاهرات، لكن على الاقل كانت الامور ستكون اوضح اليوم.

في الغالب ستنتهي التظاهرات السنية في الانبار قريباً، كل المعطيات تشير الى ان الاعتصامات في طريقها لان تفض ونتمنى ان يكون فضها سلمياً، وليس عن طريق مواجهة عسكرية، لكن فض التظاهرات في الانبار كما حصل في باقي المدن، لن ينهي جوهر الازمة.

على المستوى الوطني يمكن للمرء ان يتمنى ان تطرح حلول جذرية للقضايا التي اججت التظاهرات، سبقتها ورافقتها ، فترك الامور معلقة واعتبار ان فض الاعتصامات نهاية للازمة السياسية والاجتماعية والمذهبية التي انتجتها لن يكون مدخلاً حكيماً لمعالجة اوضاع العراق.

على الحكومة العراقية والقوى السياسية العراقية المختلفة ان تحاول التعامل مع عمق الشروخ الوطنية التي انتجت تظاهرات الانبار بصرف النظر عن تقييمها، فتلك الشروخ تقود باستمرار الى تهديد البلد بحروب اهلية، او تهدد بتقسيمه، والعراقيون مطالبون بوقفة جادة لتسوية ازماتهم المؤجلة.

ليست الازمة في المعتقلين السنة، ليست في المشاركة في الحكومة من عدمه، وبالتأكيد ليست في قضية رافع العيساوي او طارق الهاشمي او غيرهم، بل انها في جدار من الشكوك المتبادلة تراكمت طوال سنوات وربما عقود بين مدن وقوميات ومذاهب في العراق، وعلى الوسط السياسي العراقي العمل بمسؤولية ووفق ستراتيجية طويلة الامد لتذويب هذه الشكوك واحياء الثقة والتكاتف الوطني كحل دائم.

More from Mustafa al-Kadhimi

Recommended Articles