تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

عندما يتحوّل الموت في العراق إلى أرقام حسابيّة مجرّدة!

Shi'ite women react during a mass funeral for victims of Wednesday's bomb attacks on a Shi'ite mosque in Baghdad September 12, 2013. The co-ordinated car and suicide bomb attack on the Shi'ite mosque in the Iraqi capital killed at least 33 people on Wednesday evening, police and medical sources said. REUTERS/Thaier Al-Sudani (IRAQ - Tags: POLITICS CIVIL UNREST) - RTX13IL5

يصف العراقيّون حياتهم وسط التفجيرات الانتحاريّة اليوميّة التي أصبحت جزءاً من هويّة مدنهم، فيقول الشاعر العراقي الشاب علي وجيه لـ"المونيتور" "الموت  بالنسبة إلي فقد تأثيره وهيبته.. لا عليكم، أنا أهذي، أتحدّثُ عن الموت، وأضحكُ مع أصدقائي، ألم أقل لكم أن الموت فقد هيبته؟!".

ويلوم بعض المثقّفين العراقيّين وسائل الإعلام على تخلّيها عن متابعة الجوانب الإنسانيّة لضحايا تفجيرات أعمال العنف، والاكتفاء بإجراء عمليات العدّ اليومي للضحايا ومتابعة ردود الفعل والإجراءات الحكوميّة المعلنة. فهي في العادة تكرّر مفردات الخطاب الرسمي حول اتّخاذ تدابير أمنيّة إضافيّة واغلاق الطرقات وتنفيذ حملات اعتقال جديدة.

وتتحوّل تلك الصورة في العراق إلى روتين يومي، ليس فقط بالنسبة إلى وسائل الإعلام التي لم تعد قادرة على متابعة حالات الضحايا أو نقل قصصهم وهي في الواقع مكرّرة بدورها ومحملة بالأسى والدموع، إنما الأمر ينسحب على السكان أنفسهم. فأسلوب تعاملهم مع الأحداث الأمنيّة يصبح تدريجياً جزءاً من الروتين اليومي نفسه.

والعراقيّون يتوقّعون في أية لحظة أن تنفجر سيارة مفخّخة بالقرب منهم. فيودّعون صباحاً عائلاتهم وفي أعماقهم لا يستبعدون أن يكون هذا الوداع الأخير. كذلك يمضون في قلقهم على أبنائهم وبناتهم في رحلاتهم اليوميّة إلى المدارس أو الأسواق. وفي خضمّ كلّ هذا، ثمّة حالة من الذهول والاستسلام.

كلمة "استسلام" قد تكون قاسية جداً. لكنها واقعيّة بشدّة. فالسلطات التي تقع على عاتقها مهمّة حفظ أمن المواطن، عجزت ما بعد الانسحاب الأميركي من العراق في بداية العام 2012 عن حمايته. وذلك قد لا يكون مبرّراً لليأس أيضاً، إلا عندما تعجز تلك السلطات عن تقديم رواية مقنعة عن أسباب كل هذا الانهيار الأمني.

في الشهور الأخيرة كان العراقيّون على موعد مع تصاعد مرعب في أعمال العنف. كانوا على موعد مع تفجيرات مفخّخة استهدفت المدنيّين العزّل في الأسواق والمنازل والشوارع. وكان الخطاب الأمني العراقي يقدّم تفسيراً واحداً كفيلاً بتوليد المزيد من الإحباط، فالقيادات المعنيّة بالأمن لا تتردّد في القول إن "استهداف المدنيّين دليل على فشل القوى الإرهابيّة في الوصول إلى الأهداف الحيويّة".

ويشكّل مثل هذا الخطاب الذي أثار في خلال الأسابيع الماضية غضباً شعبياً وكان مناسبة لحملة مقالات انتقدت أداء الحكومة الأمني، إحدى صور الذهول الجماعي أمام الانهيار الأمني المتواصل.

والحكم الرشيد لا يكون فقط في تحقيق الشفافيّة على المستويَين الاقتصادي والسياسي، فأهمّ ما فيه بالنسبة إلى تجربة كالتجربة العراقيّة هو تقديم رواية مقنعة واحدة عن أسباب ومصادر كل هذا العنف.

لا يتوقّف السياسيّون في العراق عن الحديث عن "مؤامرات خارجيّة". وهذه التهم توجّه ضمناً أو علناً مرّة إلى الشرق حيث إيران، ومرّة إلى الغرب حيث المملكة العربيّة السعوديّة وقطر، ومرّة ثالثة إلى الشمال حيث تركيا. ويتوسّع نطاق المؤامرة ليشمل الولايات المتّحدة وبريطانيا ودولاً أخرى.

وبصرف النظر عن مصداقيّة كل طرف عراقي في توجيه أصابع الاتهام إلى الخارج، فإن فشلاً داخلياً أمنياً وسياسياً واقتصادياً وخدماتياً لا يمكن أن تغفل عنه أي عين. وهو فشل كفيل بدعم طموح أي طرف خارجي للتدخّل في الشأن العراقي وتوسيع مدى النفوذ والتأثير داخل الخريطة العراقيّة.

من العبث بعد عشر سنوات من تغيير النظام السياسي في العراق وبعد عامَين من الانسحاب الأميركي الذي تمّ الترويج له انتخابياً كانتصار.. من العبث بعد كلّ هذا الوقت المهدور، الحديث عن مؤامرات خارجيّة في مقابل صمت عن الاخفاق الداخلي المتفاقم.

لن يتاح للعراقيّين الخروج من حالة الذهول التي يعيشونها أمام بحور الدم التي تجتاح حياتهم، من دون مواجهة حقيقيّة وشفّافة تضع الأمور في نصابها. وأولى المواجهات تتعلّق بمراجعة شاملة لأسلوب إدارة الأمن في هذه البلاد، والآليات والخطط والشخصيات التي تعالج هذا الملفّ.

قد يبدو الضحايا العراقيّون اليوم مجرّد أرقام تتناقلها وسائل الإعلام كأمر معتاد.. لكن لهؤلاء الضحايا صوت.. ربما لم يعد يُسمع اليوم بسبب تزاحم الأحداث الأمنيّة.. لكنه بالتأكيد سيسمع بعد حين.. وسيسأل عن الأطراف التي تتحمّل مسؤوليّة كل هذا الموت.. ليس فقط تلك التي نفّذت أعمال القتل فقط، بل تلك التي تغافلت عنها والتي استثمرتها سياسياً وانتخابياً، وبالتأكيد تلك التي استهانت بها واعتبرتها مجرّد أرقام مجانيّة.  

More from Mustafa al-Kadhimi

Recommended Articles