تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

سوريا.. أم المعارك قد تكون اقتصاديّة

An employee stamps stacks of Syrian pound notes at the Syrian central bank in Damascus April 23, 2013. Picture taken April 23, 2013.        To match SYRIA-CURRENCY/        REUTERS/Khaled al-Hariri (SYRIA - Tags: POLITICS CONFLICT BUSINESS) - RTXYYC3

في الوقت الذي تنحصر الاهتمامات الدوليّة والعربيّة بتطوّرات المعارك الميدانيّة في سوريا وتتركّز الأنظار على البعد الجغرافي للأزمة، حيث بات سقوط مدينة أو حيّ في يد هذا الفصيل أو ذاك أو وصول نوع معيّن من الأسلحة إلى هذه المجموعة العسكريّة أو تلك يستدعي سيلاً من التحاليل والتحاليل المضادة، وتختلط أمامه التوقّعات وتقف السياسات عاجزة حائرة.. في هذا الوقت تحديداً، قد تأتي المفاجأة التي تطيح بموازين القوى من باب آخر مختلف تماماً، من باب الاقتصاد.

لم يعد يُخفى على أحد أن النظام يعاني صعوبات ماديّة ظهرت جلياً من خلال انهيار سعر صرف الليرة السوريّة التي فقدت 500 % من قيمتها وذلك منذ آذار/مارس 2011، والتي يتراوح سعر تداولها اليوم في السوق ما بين 235 و240 للدولار الأميركي الواحد بعد ما كان قد بلغ 320 ليرة قبل أسابيع، قبل التدخّل الحكومي الأخير. أما أسباب هذا الانهيار الحاد، فتعود أولاً إلى المجهود الحربي المبذول من قبل النظام وإلى توقّف دورة الإنتاج ثانياً، وذلك على الرغم من التصريحات الرسميّة والخطوات الإعلاميّة التي يقوم بها من أجل تبديد الشكوك حول متانة العملة الوطنيّة، وعلى الرغم من التدابير الإجرائيّة التي اتخذتها الحكومة السوريّة من أجل حمايتها والتي لا تتوافق مع قواعد الاقتصاد الحرّ، وكذلك على الرغم من كلّ محاولات تعويمها مادياً من قبل الحلفاء. فقبل أيام أصدر الرئيس السوري قراراً يقضي بفرض عقوبات على كلّ من يتعامل أو يحدّد أسعاراً بغير الليرة السوريّة، وذلك في محاولة لضبط السوق السوداء ووقف عمليات المضاربة التي تطيح بالقيمة الفعليّة لليرة. وبغضّ النظر عن سلامة تدابير من هذا النوع أو فعاليّتها، فهي إذا ما نمّت عن شيء تنمّ عن فقدان الثقة بالعملة الوطنيّة، تلك الثقة التي تشكّل في المحصّلة حجر الزاوية لأي منظومة اقتصاديّة، وكلّ محاولات لدعمها قسرياً أو إعلامياً عبر اللجوء إلى نظريّة المؤامرة واتهام أطراف خارجيّة بالتلاعب بالأسواق لا تفيد . والتاريخ الاقتصادي الحديث يذخر بالأمثلة حول عدم جدوى المعالجات القسريّة للتحديات الاقتصاديّة، آخرها كان محاولة أردوغان الفاشلة لوقف تدهور الأسواق التركيّة عبر التصعيد الإعلامي والسياسي

قبل أسابيع، قام النظام برفع رواتب العاملين في القطاع العام بنسبة 40% (3). للوهلة الأولى قد تبدو الخطوة مستغربة، لا بل بعكس المتوقّع تمامأ، وذلك إذا ما أخذنا بعين الأعتبار الوضع المالي المتأزّم للحكومة. لذا يسهل إدراجها في خانة المناورات الإعلاميّة التي يتمّ اللجوء إليها بهدف تبديد الشكوك حول مقوّمات صمود النظام وقدرته على الاستمرار. لكن في الواقع، فإن قرار رفع الرواتب يستند أيضاً إلى منطق أقتصادي سياسي يهدف إلى متصاص إرتفاع أسعار المحروقات لما قد يسبّبه من تململ واستياء لدى شرائح الشعب، ومن المرجّح أن يكون قد تمّ تمويله عبر تحويل قسم من الأموال المرصودة لمشاريع أصبحت بفعل المتوقّفة بسبب الحرب، مثل كافة مشاريع البنى التحتية أو نفقات أخرى مجمّدة، مثل نفقات قطاع التعليم والمدارس التي أقفلت أبوابها منذ فترة أقلّه في بعض المناطق. وتجدر الإشارة إلى أن انسحاب النظام من 60% من الأراضي السوريّة وفي بعض الحالات بشكل طوعي، يستند إلى منطق اقتصادي. فهو يخفّف عنه عبئاً مالياً لا يستهان به.

والسؤال اليوم هل تصمد العملة السوريّة أمام ضغوطات المعركة؟ وإلى متى؟ الجواب عن هذا السؤال يتطلب التدقيق بأساسيات الاقتصاد السوري وتحوّلاته الأخيرة. إن سعر صرف أي عملة تحدّده أولاً نسبة نمو الإنتاج القومي وأيضاً قدرته على التصدير وجذب العملات الأجنبيّة، وهنا بيت القصيد. فالاقتصاد السوري يعاني تراجعاً هائلاً في دورة نموّه الذي هبط بنسبة 2% في العام 2011 في بدايات الثورة وبنسبة 31.4% و 7.1% في العامين 2012 و 2013 أي مع احتدام المعارك العسكريّة. أما التكلفة الاقتصاديّة لهذه الثورة ، بمعنى آخر تكلفة الفرصة الضائعة، فهي وبحسب تقرير صادر عن أحد المصارف اللبنانيّة ترتفع لتبلغ 19.3 مليار دولار مشكّلة نسبة 91.93% من الناتج القومي، وذلك وفقاً لإحصائيات ومعايير العام 2010. وتجدر الإشارة إلى أن هذه التكلفة الاقتصاديّة لا تأخذ بعين الاعتبار التكلفة المباشرة للدمار الحاصل والذي طال المساكن والمباني وشبكة البنى التحتيّة وبقيّة الأصول والاستثمارات التي خسرت من قيمتها جرّاء تدهور العملة السوريّة. وفي هذا الإطار يقيّم المركز السوري للدراسات الاستراتجيّة حجم الخسائر نتيجة الحرب السوريّة بما قيمته 84.4 مليار دولار. وإلى هذا العبء، يضاف طبعاً الجهد العسكري الذي بلغ 7 مليارات دولار في خلال العامَين المنصرمَين. وكلّ هذه العوامل أدّت إلى زيادة الضغط على الخزينة المركزيّة وارتفاع حجم الدين العام 17% نسبة إلى الناتج المحلي.

وكان في الإمكان امتصاص هذا العبء الهائل لو استطاع النظام الركون إلى شيء من الصادرات النفطيّة أو عائدات خارجيّة أخرى. فالحال كانت كذلك في دول مثل العراق وإيران اللتين تمكّنتا من الصمود في وجه حروب استنزفتهما بشرياً واقتصادياً. ولكن سوريا لا تملك مقدّرات نفطيّة مماثلة، واليسير المتوفّر لم يعد يجدي أي نفع بفعل الحصار المفروض عليها من قبل المجتمع العربي والدولي. فقد انخفض الإنتاج النفطي من 380 ألف برميل يومياً إلى 20 ألف . ولا يغيب عن بال أحد أن العقوبات الاقتصاديّة المفروضة من قبل المجموعة الأوروبيّة على سوريا ووفق اقتصاديّين سوريّين، تشكّل السبب الرئيسي وراء ارتفاع نسبة التضخّم وتدهور سعر صرف العملة. 

ولا بد من التذكير أن 19 بلداً عربياً من أصل 22 بلداً عضو في الجامعة العربيّة، فرضت ومنذ العام 2011 عقوبات مماثلة تحظّر التعامل مع أي طرف حكومي عبر المصرف المركزي السوري ومصارف تجاريّة سوريّة وتمنع رعاياها من التوجّه إلى سوريا أو الاستثمار في داخلها. ولا شك في أن أقصى هذه التدابير وأشدّها وقعاً هي تلك القيود على الحركة التجاريّة، والتي تشمل ليس فقط المواد النفطيّة إنما كافة السلع المصدّرة . وتجدر الإشارة على هذا الصعيد إلى أن الاقتصاد السوري كان في الماضي القريب يعوّل كثيراً على الحركة السياحيّة الوافدة من الخليج العربي، وأن 52.5 % من صادراته في العام 2009 كانت باتجاه أسواق الخليج. 

اتّكل النظام السوري حتى تاريخ اليوم على حليفَيه الإيراني والروسي بالدرجة الأولى، لمواجهات أعباء الحرب على المستوى المالي والاقتصادي، وبالدرجة الثانية على قروض ائتمانيّة على أساس اتفاقيات مع دول مثل الصين. بالنسبة إلى المدّ المالي الروسي، فهو لم يأتِ على شكل مساعدات وإنما قروض. وهذه غير مرشّحة للاستمرار أقلّه بالوتيرة نفسها، وذلك في ظلّ المخاطر المخيّمة على النظام وإمكانيّته على الاستمرار. أما الطرف الإيراني، فهو المساند الأول لكنه يواجه أيضاً حصاراً دولياً متفاقماً تحوّل إلى ضغط على شارع إيراني يغلي ويعاني في كلّ يوم شحّاً في العملات الأجنبيّة وارتفاعاً الأسعار. فـ"التضخّم بلغ 42%"، بحسب ما غرّد الرئيس الإيراني حسن روحاني على موقع "تويتر" في 21 تموز/يوليو المنصرم. وهو كان قد قالها قبل أيام من هذا التاريخ وبالفم الملآن أمام مجلس النواب الإيراني، كأنه يشير إلى العدو الأعظم .. الذي قد يطيح بكلّ المعادلات.

More from Sami Nader

Recommended Articles