مرّة أخرى في خلال نحو خمسة أسابيع، تسقط وجبة من الصواريخ مجهولة المصدر في منطقة تحفل برمزيات حسّاسة. الوجبة الأولى قبل أشهر طالت منطقة في الضاحية الجنوبيّة (حيّ الشياح) تتّصف بأنها معقل شعبي لكلّ من حركة أمل وحزب الله. والوجبة الأخيرة استهدفت منطقة تضمّ مقرّات للجيش اللبناني وتُعتبَر ضمن حرم القصر الجمهوري، مقرّ إقامة رئيس الجمهوريّة. ومن حيث المبدأ بدا أن الرسالة الأولى موجّهة إلى حزب الله كتحذير له من الثمن الذي سيكون عليه دفعه، لقاء مشاركته في القتال في سوريا إلى جانب النظام. أما الرسالة الأخيرة فهي تتّسم بأنها حمالة أوجه: ففيها تحذير لقائد الجيش العماد جان قهوجي من أن استمراره في مقاومة الإرهاب السلفي سيكون له ثمن أيضاً، كذلك تضمّنت تحذيراً إلى رئيس الجمهوريّة من أن استمراره في رفع الصوت ضدّ سلاح حزب الله لن يمرّ من دون عقاب، بالإضافة إلى رسالة ثالثة تهدّد مجمل منظومة الأمن في لبنان. والملاحظ أن كلّ واحدة من الرسائل الثلاثة تناقض الأخرى، لجهّة أنها توحي بأن الجهّة التي وجّهتها ليست واحدة. ومن هنا يذهب الظن إلى أن طرفاً ثالثاً دخل على الخط، ليستغلّ حالة خلط الأوراق السياسيّة الجارية في البلد والاستثمار في بيئة التوتّر الشديد الذي يمرّ به .
ثمّة فوارق بين عمليتَي إطلاق الصواريخ، السابقة التي استهدفت الضاحية قبل أشهر والحاليّة التي استهدفت المتن الجنوبي حيث مقرّات الجيش والقصر الجمهوري. الفارق الأبرز هو أن مطلقي الصواريخ هذه المرّة لم يتركوا خلفهم منصّات إطلاقها، ما يعني أنهم تحرّكوا بهدؤ وبثقة وبحريّة. أما الفارق الآخر وليس الأخير، فيتمثّل بأن توقيت إطلاقها جاء في ليلة أنهت يوماً من الاحتفال بمناسبة عيد الجيش حضره معظم أركان الدولة، ما طرح سؤالاً مفاده ماذا لو تمّ اطلاق هذه الصواريخ على مكان احتفال عيد الجيش؟!ما يلفت النظر هو أن الأحداث الأمنيّة في لبنان أصبحت سياقاً ولم تعد مجرّد حوادث متفرّقة. صحيح أنها تجري بفواصل ومنية متباعدة نوعاً ما، ولكنها تحفل بنمط موحد: انفجارات كما حدث في بئر العبد في 9 تموز/يوليو المنصرم، وكمائن بعبوات متفجّرة كما حصل على طريق شتورا-دمشق منتصف تموز/يوليو المنصرم ضدّ سيارات لحزب الله، وصواريخ تسقط فجأة على مراكز سياديّة أو أحياء شعبيّة. وثمّة خشية من أن تتصاعد وتيرة هذا السياق الأمني في المقبل من الأيام، ما يعني أن لبنان ينزلق باتجاه أن يصبح جزءاً من ساحات الحرب الأمنيّة المحتدمة في دول قريبة منه، كسوريا والعراق.
حتى هذه اللحظة، ثمّة نوع من الضمانات بأن هذه الأحداث الأمنيّة ستظلّ محصورة. لكن في الوقت نفسه، يسود قلق من احتمال أن يحمل شهر آب/أغسطس الحالي معه تطوّرات أمنيّة مفزعة في لبنان. وهذا تقدير موجود حتى عند رئيس مجلس النواب نبيه برّي الذي قال لـ"المونيتور": "أنا خائف على الأمن في البلد ولديّ معلومات تبرّر خوفي". ولهذا الخوف صدى داخل المحافل الأمنيّة اللبنانيّة على الرغم من تحفّظها على إظهاره للعلن. حتى داخل حزب الله بحسب ما يشير أحد مسؤوليه الذي تحفّظ عن ذكر اسمه، ثمّة مخاوف من أنه وبعد مرور شهر تموز/يوليو المنصرم، قد يُستهدَف لبنان بعمليات أمنيّة ضدّ الحزب وأيضاً ضدّ الجيش، من قبل مجموعات سلفيّة أصوليّة.
باختصار فإن جغرافيا الحريق في المنطقة تتّسع، نظراً لأسباب عدّة، أبرزها أن الأزمة الدامية في سوريا ما زالت من دون أي أفق سياسي للحلّ. وهو ما جعل تشظيّاتها مرشّحة لأن تصيب أمن دول جوارها بأضرار كبيرة. فالعراق، يتجدّد العنف فيه اليوم نتيجة أن أزمته التي لم يصار أصلاً إلى حلّها، أيقظتها تطوّرات الأحداث السوريّة الجارية بجواره والمتداخلة ديموغرافياً ودينياً معها. أما الأردن، فيعيش حالة توقّع لكيفيّة تأثير الأحداث في سوريا عليه. وكلّ ما يفعله الآن هو محاولة النأي بالنفس عن خسائره. ومن غير المضمون أنه سينجح. الأمر نفسه يحدث في لبنان، مع فارق أن الحرب السوريّة صارت تتضمّن في ميدانها الفعلي فصلاً من الحرب اللبنانيّة بداخلها، وذلك بعد انخراط حزب الله فيها في مقابل أن السلفيّين اللبنانيّين منخرطين منذ بداية الأحداث في هذه الحرب.
AL-MONITOR All-Access gives you unlimited access to all our journalism, the full Daily Briefing, exclusive interviews, premium newsletters, and live events — for less than $2/week.