تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

الناشطون المدنيّون العراقيّون في خطر!

Relatives of missing people wait to fill application forms at a Human Rights office in Ramadi, 100 km (60 miles) west of Baghdad February 26, 2012. The Human Rights ministry in Iraq launched a campaign to test DNA and identify bodies. Around 300 suspected mass graves have been discovered around Iraq since Saddam Hussein was overthrown in 2003. Picture taken February 26, 2012.   REUTERS/Ali al-Mashhadani (IRAQ - Tags: POLITICS) - RTR2YKDR

ما زال العراق بعد سقوط النظام الدكتاتوري يتصدّر قوائم الدول التي يتعرّض فيها الصحافيّون والإعلاميّون وبقيّة النشطاء الاجتماعيّين إلى انتهاكات واضطهاد. وقد صنّف مرصد الحريات الصحافيّة العامَين الأوّلَين بعد خروج القوات الأميركيّة من العراق (20122013 ) على أنهما الفترة الأكثر سوءاً منذ سقوط النظام السابق، من حيث انتهاك الحريات الصحافيّة. وبحسب تقرير المرصد نفسه ، سجّل العراق 259 حالة قتل لناشطين في المجال الإعلامي منهم عراقيّين وأجانب في السنوات العشر الأخيرة. كذلك تمّ اختطاف 64 ناشطاً قتلوا بغالبيّتهم في حين ما زال 14 منهم في عداد المفقودين. ولم يتمّ الكشف عن مرتكبي أيّ من تلك الجرائم لحدّ الآن، وقد جرت كلها في ملابسات غامضة لا يسلّط عليها الأضواء ولا تتمّ متابعتها قانونياً ولا سياسياً.يقسم النشطاء المدنيّين في العراق إلى مجموعتَين رئيسيّتَين، بحيث ينتمي القسم الأوّل منهم إلى مؤسّسات حكوميّة والثاني إلى منظمات المجتمع المدني غير الحكوميّة. والقسم الثاني هو الذي يتعرّض إلى الخطر بشكل جدّي، إذ يُستهدَف نشطاؤه من قبل القوات الحكوميّة والميليشيات والمنظمات الإرهابيّة في آن واحد. إلى ذلك فإن الحكومة لا تشعر بالمسؤوليّة تجاههم، وبالتالي لا توفّر لهم الحدّ الأدنى من الحماية.  كذلك، تقوم الحكومة العراقيّة وبشكل مستمرّ بتمرير قوانين ضدّ الحريات المدنيّة المتعلّقة بالنشطاء الاجتماعيّين عبر عدد من مؤسّساتها ذات الصلة. وعلى سبيل المثال، تمرير قانون "حماية الصحافيّين" المستقى بمجمله من القوانين العراقيّة السابقة التي تجرّم نشر المعلومات في حالات مختلفة، وتسمح بسجن الصحافيّين لمدّة تصل إلى سبع سنوات في حال تمّت إدانتهم بتهمة إهانة الحكومة، بحسب ما جاء في تقرير لجنة حماية الصحافيّين . وقد حاولت الحكومة في وقت سابق تمرير قانون جرائم المعلوماتيّة  الذي أرسل الى مجلس النواب للمرّة الأولى في 27 تموز/يوليو من العام 2011 وثانية في تموز/يوليو من العام 2012. وقد اعتبرت منظمة "هيومن رايتس ووتش" القانون محاولة تبذلها السلطات لقمع المعارضة السلميّة، من خلال تجريم المشاركة المشروعة للمعلومات من قبل النشطاء. بالنسبة إلى الدكتورة آمنة الذهبي مخرجة الفيلم الوثائقي "الحرية المشروطة" ، فإن ما يشهده العراق تدريجياً هو تفريغ لمعاني الديمقراطيّة والحريات المرتبطة بها، من شأنه أن يرجع العراق إلى عهد الدكتاتورية مجدداً.أضافت أن الرقابة على النشاط الاجتماعي والمدني تنوّعت بشكل بارز لتشمل رقابات دينيّة واجتماعيّة بالإضافة إلى التضييق السياسي، وهي تُفرَض ليس فقط بالوسائل القانونيّة بل بأدوات أكثر غموضاً وعنفاً.

وكان فيلم "الحريّة المشروطة" قد ركّز على مفارقة الحريّة التي حصل عليها العراقيّون بعد الغزو الأميركي، إذ اختلفت تماماً عما كان يطمح إليه الشعب العراقي الذي رأى نفسه محاطاً بأشكال متنوّعة من القيود والضغوطات. وقد تضمّن الفيلم ثلاث قصص عن ضحايا اضطهاد النشطاء المستقلين في العراق، هم سردشت عثمان وأحمد عبد الحسين وعماد العبادي[ . الأوّل قُتِل في العام 2010 لأسباب يعتقد الكثيرون أنها ترجع إلى مقالاته النقديّة الحادّة  ضدّ الفساد المستشري بين قادة إقليم كردستان. أما الثاني فتعرّض للمطارة والاعتقال بشكل متكرّر، كذلك تلقّى تهديدات دفعت به إلى الهروب من العراق لمدّة غير قصيرة بسبب أفكاره العلمانيّة التي تنتقد السلطات السياسيّة والأحزاب الإسلاميّة. وبالنسبة إلى الثالث والأخير فقد استُهدِف بأسلحة كاتمة للصوت ونجى منها بشكل غير متوقّع بعد أن رقد في المسشتفى لفترة من الزمن بهدف تلقّي العلاج.

وكان عدد الضحايا من بين النشطاء قد ارتفع بعد تظاهرات شباط/فبراير 2011 المناهضة للحكومة، إذ تمّ اعتقال عدد كبير من قادة التظاهرات الشعبيّين وقتل بعضهم باستخدام أسلحة كاتمة للصوت. ومن أبرزهم الناشط والمسرحي هادي المهدي الذي تعرّض للاختطاف والاعتقال من دون أي أمر قضائي وتعرّض للإهانة والضرب وأصيب بكدمة خطيرة في رأسه وتورّم في ساقه اليسرى، ما دفعه إلى تقديم شكوى ضدّ القائد العام للقوات المسلّحة رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي. وأخيراً، تمّ العثور على جثّته وتبيّن أنه قُتِل بمسدس كاتم للصوت في الثامن من أيلول/سبتمبر 2011. أما هويّة القاتل فما زالت مجهولة.

يُعتبَر الناشطون من الأقليات الدينيّة والعرقيّة الأكثر تعرضاً للمخاطر في العراق، ما دفعهم إلى تجنّب النشاط الاجتماعي والتنازل عن المطالبة بحقوقهم. والعدد القليل منهم الذي شارك في النشاطات الاجتماعيّة للعمل على تحسين وضع طائفته، تعرّض للقتل في أغلب الأحيان. وأبرز هؤلاء "جلال ذياب" العراقي من أصول إفريقيّة وهو رئيس "منظمة أنصار الحريّة الإنسانيّة" وأحد مؤسّسي "حركة العراقيين الحرّة"، الذي اغتيل في 26 نيسان/أبريل الماضي بعد محاولته خوض انتخابات المجالس المحليّة في البصرة. وقد أدّى اغتيال ذياب إلى ردود فعل واسعة النطاق من قبل المؤسّسات المدنيّة في العراق. وعلى الأثر صدر في 12 حزيران/يونيو الماضي أوّل بيان مشترك يدعو إلى اتخاذ إجراءات للمطالبة بحماية ناشطي حقوق الإنسان ومنظمات المجتمع المدني في العراق، من قبل عدد من المؤسّسات الإعلاميّة المستقلّة ومنظمات المجتمع المدني. ومنها "مؤسّسة مسارات للتنمية الثقافيّة والإعلاميّة" و"جمعيّة الأمل العراقيّة".

ويبقى أن الظاهرة المعالجة في هذه المقالة تبرهن ضرورة تطوير النظرة العامة تجاه الديمقراطيّة في المنطقة. فهي ليست مجرّد انتخابات وصناديق اقتراع، بل أيضاً احترام للحريات وحماية للعمل الاجتماعي الحرّ والمستقلّ.