تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

حزب الله العسكري والسياسي

A poster of Mohamed Hassan Shehade, a Hezbollah fighter who died in the Syrian conflict, hangs on a building in Adloun town, south of Sidon in southern Lebanon, July 23, 2013. The European Union agreed on Monday to put the armed wing of Hezbollah on its terrorism blacklist, a move driven by concerns over the Lebanese militant group's involvement in a deadly bus bombing in Bulgaria and the Syrian war. REUTERS/Ali Hashisho    (LEBANON - Tags: POLITICS CIVIL UNREST MILITARY CRIME LAW) - RTX11W1Q

ترقّى الأمين العام لحزب الله السيّد حسن نصر الله في داخل الحزب، من خلال تدرّجه في داخل الجسم العسكري ذاته الذي يضعه الاتحاد الأوروبي اليوم على لائحة الإرهاب. وتسلّط هذه الواقعة المزيد من الضوء على الأسباب الإضافيّة التي تجعل نصر الله لا يستسيغ منطق الاتحاد الأوروبي القائل بأن الحزب مركّب من جناحَين عسكري وسياسي .في الأساس، إن السياقات التي شهدها بناء الحزب منذ تأسيسه في بدايات ثمانينيات القرن الماضي وحتى الآن، تؤشّر إلى استحالة إيجاد علامات فارقة في داخله بين ما هو عسكري وأمني وسياسي. فالجيل الأوّل المؤسّس لحزب الله والثاني الراهن الباني لعضده، هما ينتميان إلى بيئة عملت في ثلاث مهمّات بشكل متداخل: الأمن والسياسة والعسكر. ولا يمكن بموجب بنية تفكير أفراد هذَين الجيليَن اللذَين يمسكان الآن بكلّ مفاصل قيادة الحزب، الفصل ما بين من هو مسؤول سياسي أو أمني أو عسكري. ويبدو أن قرار الاتحاد الأوروبي غابت عنه فكرة أساسيّة، وهي أن العسكر في حزب الله هو من يقول للسياسيّين فيه اتبعوني وليس العكس. وواقع الحال أنه يوجد في داخل الحزب تراث عسكري وأمني ضخم ، يلقى احتراماً كبيراً لدى قواعده المباشرة أو المحيطة به، ويرقى أحياناً إلى درجة التقديس.

إن مسؤولاً كعماد مغنيّة الذي اغتيل قبل سنوات، لم يكن فقط قيادياً عسكرياً فذاً وحسب داخل تركيبة الحزب، بل كان مشاركاً في رسم رؤيته السياسيّة أيضاً. وكذا الحال بالنسبة إلى قيادات أمنيّة وعسكريّة تتوزّع اليوم بعد موته، مسؤوليّة الملفات التي كانت تتجمّع من ضمن صلاحياته.

كلّ ما تقدّم يؤكّد استحالة الفصل عملياً بين من هو سياسي ومن هو عسكري في حزب الله. فالمجلس الجهادي الذي يُعتبر أعلى سلطة سياسيّة وتنفيذيّة وعسكريّة وتخطيطيّة فيه، يتشكّل من قياديّين جمعوا بين أيديهم القرار العسكري والمالي والسياسي والأمني والشرعي الديني في آن معاً. حتى الأمين العام السابق لحزب الله السيّد عباس الموسوي، فإنه إلى جانب منصبه السياسي كمسؤول أوّل، كان يشارك مجاهدي الحزب العمل العسكري في القواعد الأماميّة. وكان كما نصر الله مقاتلاً وقائداً وسياسياً، يشرف على دقائق تفاصيل المهمّات الأمنيّة.

وإذا ما تواجد أشخاص في حزب الله خارج إطار مهمتَي العسكر والأمن، فإن حال هؤلاء يشبه إلى حدّ بعيد حال العاطلين عن العمل في داخل إطاره. وأساس الفكرة هنا هو أن فلسفة العمل التنظيمي في داخل حزب الله، تقوم على الإرث العسكري والأمني. فمهمّة التخطيط لبلوغ مرتبة الاقتدار الميداني، تمثّل من وجهة نظر الحزب مضمون برنامجه السياسي والرؤية الاستراتيجيّة الثاقبة.

ولا يعني ما تقدّم أنه لا يوجد في الحزب بنية سياسيّة، فثمّة مكتب سياسي ومكتب خاص بنوابه في البرلمان. ولكن جميع هؤلاء يمرّون بشكل أو بآخر ضمن أطره الأمنيّة والعسكريّة، أو هم أساساً وصلوا إلى مواقعهم السياسيّة من قواعد عسكريّة وأمنيّة داخل الحزب. حتى إعلام حزب الله، فهو إلى حدّ بعيد يتمتّع ببنية إعلام حربي، وغالباً ما يتولّى مسؤوليّة أهم أجهزته شخصيات على صلة وثيقة بالعمل الأمني. ففي داخل الحزب، ثمّة قناعة لا تخلو من المنطق تفيد بأنه مستهدف بالاختراق الأمني على نحو دائم، من قبل الاستخبارات المعادية له. لذلك، لا مجال لإبداء أي نوع من الاسترخاء الأمني في جميع مواقعه. أضف إلى ذلك أن الحزب على الرغم من تحوّله إلى إطار يملك قوّة عسكريّة منظّمة، إلا أن مناخه العام ما زال يعيش مواصفات التنظيم الذي يمارس نظريّة حرب العصابات. وهو ما يجعل كلّ جسمه ذي بنية عسكريّة وأمنيّة ومقاتلة بدرجات نسبيّة.

جنود أم مجاهدون

يحافظ نصر الله في العادة في خلال خطبه على رصانة في الشكل ومضامين التعابير التي يتفوّه بها. لكنه في خطابه الذي ألقاه في 24 تموز/يوليو الجاري بمناسبة حفل الإفطار الذي أقامته اللجنة النسائيّة في هيئة دعم المقاومة والذي خصّصه للتعليق على قرار الاتحاد الأوروبي، تقصّد الخروج عن طقس رزانته الصارمة ليمازح جمهوره قائلاً: "سأقترح توزير أعضاء من الجناح العسكري للحزب في الحكومة العتيدة".

وهذه الطرفة كما وصّفها نصر الله بذاته، كانت تريد الإيحاء الجازم بأن الحزب لا يقبل أن يصنّف نفسه على أنه جناحان، وبأن العسكر فيه ليسوا جنوداً كلاسيكيّين يؤدّون تحيّة الصباح للعلم ولمسؤولهم السياسي، بل هم كلّ الحزب وأصل بنيته التنظيميّة ومشروعه السياسي الذي هو في الأساس يرتكز على الفكرة الجهاديّة. 

وعلى افتراض جدلي أن الحزب أراد السير في الفكرة الدوليّة القائلة بتصنيفه إلى جناحَين سياسي وعسكري، فإن العسكر الممسكين بمفاصله الأساسيّة لن يسمحوا لأية قيادة في حزب الله أن تمارس هذا التقسيم في داخله. والفكرة الأساسيّة هنا، هي أن جماعة العسكر والأمن لن تتساهل مع أية قيادة في الحزب تقول لهم: عليكم أن تدفعوا الثمن، فيما نحن السياسيّون ننأى بأنفسنا عن حمايتكم أو نقبل بالمنطق الذي يقول نحن شيء وأنتم شيء آخر تحت قوس المحاسبة الدوليّة المنصوب لمساءلة حزب الله. 

إن الفكرة الأبرز التي يسعى نصر الله الآن إلى الحفاظ عليها داخل الحزب، هي إظهار تكافل كلّ شرائحه، والإظهار أن من يسمّيهم المجتمع الدولي الجناح السياسي في الحزب، يرفضون فكرة التخلّي عن رفاق السلاح أو مقايضتهم بضمانة ألا تشملهم تهمة الإرهاب أمام العدالة الدوليّة. وقد عكس نصر الله رغبته هذه في خطابه الأخير، عن طريق قوله بشكل واضح للاتحاد الاوروبي ما معناه: حوّلوا حبر قراركم إلى ماء واشربوه!