تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

أهالي قطاع غزة يهربون إلى شاطئ البحر

Palestinians enjoy the warm weather at a beach in Gaza City May 31, 2013.     REUTERS/Mohammed Salem (GAZA - Tags: SOCIETY ENVIRONMENT) - RTX107G6

جاء الصيف وليس هناك أمام أهالي قطاع غزة البالغ عددهم مليون وسبعمائة ألف سوى شاطئ البحر للهروب إليه من الصيف الحار وانقطاع التيار الكهربائي.

الآلاف من المصطافين من الرجال والأطفال يسبحون أو يتمددون على الشاطىء، أغلب النساء يجلسن بحرص، أو يسبحن مرتديات العباءات السوداء، وبين الحين والآخر يكسر امتداد الصورة المتشابهة للمصطافين مرور خيل أو جمل لإغرائهم بالركوب بأجرٍ يقل عن دولار.

ابراهيم(22عاماً) يأتي من منطقة المغراقة وسط قطاع غزة، راكباً جمله وصولا إلى الشاطئ، كي يحصل على مبلغ يومي لا يزيد عن الخمسة عشر دولار، قائلاً للمونوتر وهو ينظر حوليه منتظرا من يتقدم ليركب: "موسم الصيف يستمر حتى مجيء شهر رمضان وبسبب الصوم، الناس لا يأتون كثيرا للبحر لذلك سينتهي هذا الموسم بسرعة، فلا يعود أحد يركب الجمل ما سيجعلني أبحث عن عمل آخر إما في البناء أو البيع".

ويوضح أنه في السابق كانت عنده مجموعة من الجمال لكن الحرب الأخيرة لم تترك لديه سوى واحد. فتاتان اقتربتا من الجمل تبدوان صديقتين، ساعدهما إبراهيم على ركوب السنام المرتفع، صرختا خوفاً حين وقف الجمل ليمشي، تقول إحداهما وهي تضحك :" أشعر أني أنظر من طابق على الدور الثالث".

حارس (12عاما) وأنيس (11عاما) شعرهما مبلل فقد خرجا للتو من البحر غصباً عنهما بعد أن تعرضا للسع القناديل، يقول حارس: "نريد من مسؤولي الشاطئ التخلص من القناديل، انها مزعجة جدا، وهناك لسع في يدي وساقي"، يمد يده كي يبين مدى احمرارها.

قريبهما مازن الشاعر(39عاما) جاء معهما إضافة إلى ثلاثة آخرين من أبنائه يقول:" نحن جيران للشاطئ ولا نرى غيره متنفس لأطفال العائلة فلا يوجد نوادي أو أماكن يقضون وقتهم بها"، شاكيا من عدم نظافة الشاطئ.

الاوراق والعلب الفارغة والأكياس البلاستيكية ممتدة على طول الرمال في منظر يشوه تماما جمال البحر والغروب، كذلك هناك رائحة سيئة تشمها بين الفينة والأخرى بسبب كون البحر مكب لمياه الصرف الصحي في اكثر من موقع.

ليس كل الاطفال مثل حارس وأنيس يأتون للاستمتاع فهناك من عليه مسؤوليات الكبار، أحمد (13عاما) ينادي "عنبر عنبر" ويقترب من العائلات التي يجلس بعضها على الكراسي، وأخرى تفترش الارض، يحاول بيعهم العنبر وهو تفاح صغير مغروس بعصا خشبية، ومغطى بحلوى لونها احمر، غالبا لا أحد يشتري العنبر منه، فالعائلات تعتبره مضر بسبب السكر إضافة إلى كونه دون غطاء، لكن لا بد من وجود طفل ما يصر على شرائه منجذباً إلى لونه الاحمر الفاقع.

فجأة تشق عربة حصان طريقها بين الناس فتصرخ العائلات مبتعدة شاتمة الشاب الذي يوجه الحصان، يصر أن لا يمشي بجانب المياه فبحسب قوله أن المياه تؤثر على اطارات العربة، أما فوق العربة فهناك فرنا يسميه "فرن البطاطا" يغذي ناره الحطب لتنضج الثمار فينادي صاحبها: "البطاطا الحلوة".

بائع البطاطا حاتم النونو"21عاما" يقول للمونوتر وهو يضع ثمرة بطاطا جديدة على رأس الفرن: " المزارعون يقومون ببيع البطاطا الحلوة لنا غالية الثمن لذلك نحن نبيع القطعة منها باثنين أو ثلاثة شيكل، البيع هذه الايام خفيف، رغم ان المصطافين بالآلاف وهناك 12 بائع بطاطا على شاطئ غزة لوحده"، أنهى حاتم كلامه وهو يضع لنا قطعة من البطاطا الحلوة على ورقة جريدة، وبالفعل طعمها شهي خاصة أنها مشوية على نار الحطب ما يعطيها مذاقا خاصا، يبتعد النونو بعربته مصرا على شق طريقه بين االمصطافين مرة أخرى فيركضون هنا وهناك خوفاً من الإصطدام.

لكن ليس الحصان أو الرائحة السيئة أو النفايات الأشياء الوحيدة التي تفسد استمتاع الأهالي على الشاطئ فقد يهرع الناس فجأة لبقعة ما على الشاطئ وبعدها تسمع صوت اسعاف، ليلحقها صراخ: "غريق غريق"، وسرعان ما تبدأ القصة بالانتشار:  طفل سحبه التيار، أو شاب يعتقد أنه يقدر على البحر لكنه لم يعد، وقد تكون امرأة اقتربت من الشاطئ لكنها وقعت في دوامة، وفي كل الاحوال نادرا ما تكون النهاية سعيدة.

الرائد يحيى تايه مدير دائرة الانقاذ البحري في جهاز الدفاع المدني يقول أنه منذ بداية العام هناك سبع حالات وفاة نتيجة الغرق وما يزيد عن أربعمائة حالة غرق تم انقاذها، مضيفا أن أربعة من الوفيات كانوا قبل بداية الموسم الصيفي الذي يبدأ مع أول شهر يونيو وينتهي في بداية شهر سبتمبر وثلاثة أثناء الموسم، مؤكدا أنهم جميعاً غرقوا قبل أو بعد انتهاء دوام ساعات عمل المنقذين والتي تبدأ منذ الثامنة صباحا وتنتهي في الثامنة مساءً.

وذكر خلال لقاء مع المونوتر في مكتبه الذي يطل على الميناء أنه قبل موسم الصيف كان هناك 100 منقذ بحري ولكن مع موسم الصيف هناك 360 منقذ، مؤكدا أنهم يرشدون المصطافين بعدم السباحة قبل الثامنة في الصباح ومثلها في المساء، لكن دون فائدة، كذلك ينشرون مواد الإرشاد ويضعون اللافتات بأن لا يسبحوا في الاماكن التي تُضخ فيها مياه الصرف الصحي او في المناطق الصخرية الخطرة .

ولفت إلى وجود غرفة عمليات بين الدفاع المدني والشرطة البحرية والإسعاف على الدوام تحسبا لحدوث أي طارئ خاصة مع إزدياد ضياع الأطفال على الشاطئ يومي الخميس والجمعة إذ يصل أعداد المصطافين لعشرات الألوف، منبهاً إلى قلة أدوات الإنقاذ التي لديهم من زوارق وإطارات.

على الشاطئ قريبا من المياه تجلس خلود السراج(18عاما) تحمل كتابا في يد وفي اليد الاخرى تمسك شقيقتها الصغيرة حنان، وتوضح أنها أتت باحثة عن بعض الهدوء والهواء بعد انقطاع الكهرباء في منزلها كي تدرس لامتحانات الثانوية العامة.

سالم الدريملي(48عاما) يجلس مع عائلته المكونة أغلبها من النساء والفتيات على كراسي بلاستكية وحولهم بطيختين وبضع مناشف، يقول أنهم يحبون البحر لكنهم يعانون من عدم وجود أضواء على الشاطئ في الليل أو منقذين، مشيراً أن عائلته ومعظم العائلات تأتي بعد الثامنة مساء أي بعد انتهاء دوام المنقذين.

زوجته أم سائد(41عاما) تشتكي من قلة النظافة، موضحة أن العائلات تحافظ على النظافة وتضع القاذورات في أكياس للقمامة لكن المشكلة أنه لا توجد حاويات لإلقائها.

حول مشكلة النظافة يقول حاتم الشيخ خليل مدير العلاقات العامة في بلدية غزة، أنهم ينظفون الشاطئ في ساعات الصباح الاولى كل يوم، مؤكدا أنه من غير المعقول تنظيفه اثناء وجود العائلات على شاطئ البحر، لافتاً إلى أن كثافة المصطافين جعلتهم حريصين على اكتمال مشروع كورنيش بحر مدينة غزة الذي كلف اكثر من ثلاثة مليون دولار ونصف كي يخفف كثافة الازدحام على الشاطئ.

ويوضح خلال لقاء المونوتر معه في مكتبه انهم كل عام يستعدون لهذا الموسم بالكثير من الامكانيات لتقديم الراحة للمصطافين موضحا أنهم في العام الماضي سمحوا لخمسة عشر كافتيريا باستئجار اماكن على الشاطئ ولكن هذا العام سمحوا فقط لسبعة كي يتم تركوا مساحات واسعة للناس للجلوس خاصة مع الوضع الاقتصادي الصعب.

شاطئ غزة ليس فقط مهربا للطلبة والعائلات والأطفال بل أيضاً للمتزوجين حديثا مثل سمر(19عاماً) ومحمد(23عاماً) اللذين لم يجدا سوى بحر غزة كي يكون المكان الذي يقضيان فيه شهر عسلهما، يضحكان ويتشاجران بهزل وهما يقفان أمام البحر يحسبان مدة زواجهما، وينعمان بمراقبة الغروب.

More from Asmaa al-Ghoul

Recommended Articles