تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

النزاع المسلح في سوريا ينعكس بقوة على الإقتصاد اللبناني

A general view shows a shipping container area at the port of Beirut November 20, 2012. Civil war in Syria is taking its toll on several sectors of the economy of neighbouring Lebanon, where exports have tumbled 12 percent, Lebanon's economy minister said on Monday. The IMF said in September that the main risk to the economy was poor policymaking, not Syria. To match Reuters Summit MIDEAST-SUMMIT/LEBANON-SYRIA  REUTERS/Mohamed Azakir  (LEBANON- Tags: BUSINESS) - RTR3ANO6

يهتم الإقتصاديون في لبنان اهتماما شديدا بحال الإقتصاد في البلد المجاور سوريا الذي أكمل العام الثاني من المواجهات العسكرية والإضطرابات المتنوعة نظراً إلى ترابط قوي بين اقتصاد البلدين، وهم يتابعون بقلق أحوال الليرة السورية التي خسرت من 50 إلى 70 في المئة من قيمتها، وكذلك مدى الخسائر التي تصيب البنى التحتية والإقتصاد والمقدرة بنحو 200 مليار دولار .

ويعود اهتمام هذا القطاع اللبناني بل قلقه الشديد إلى أن سوريا تشكل المعبر البري الوحيد للتصدير من لبنان إلى الأردن والعراق ودول الخليج . صحيح أن إمكانية النقل البحري متوافرة لكنه مكلف بالمقارنة، ولا يلائم الكثير من البضائع، لا سيما المنتجات الزراعية .

وتقول لـ"المونيتور" رئيسة قسم الإقتصاد في صحيفة "النهار" فيوليت بلعة التي تفرد أسبوعيا جزءاً من الأخبار والدراسات في الصحيفة للإقتصاد السوري "إن حركة الإقتصاد في لبنان تأثرت سلباً بالنزاع المسلح في سوريا من أوجه عدة ". وتشير على سبيل المثال إلى أن ما نسبته 22 في المئة من السياح الذين كانوا يؤمون لبنان هم أردنيون كانوا يصلون إلى بيروت في سياراتهم أو في حافلات سياحية ضخمة عبر الأراضي السورية. هؤلاء توقفوا تماما عن زيارة لبنان منذ سنتين.

وبسبب الأزمة السورية والمخاوف من تداعياتها المحتملة أمنيا في لبنان، فضلا عن أسباب أخرى تتعلق بالخلاف مع إيران والنظام في سوريا ، منعت الدول الخليجية رعاياها من المجيء إلى لبنان. فبقي على المغتربين اللبنانيين أن يؤمنوا بعض الكسب لقطاعات مهمة تدور في فلك السياحة : الفنادق والمطاعم والمقاهي ومكاتب تأجيرات السيارات وشركات الإتصالات والمحروقات وسواها.

وفوق ذلك، تقول بلعة " تعرضت حركة الإستثمار الخارجي في لبنان لانتكاسة قوية بفعل الأزمة السورية، باعتبار أن الرأسمال الآتي من الخارج يرى ارتباطاً بين أحوال لبنان والأوضاع في جارته التي لم تهدأ حربها الداخلية منذ 24 شهراً مخلفة عددا هائلا من الضحايا ودمارا لا يوصف". 

إنها صورة سيئة بلا شك، لا تشجع حتى المستثمر اللبناني على التحرك والإقدام على استثمارات جديدة، مما جعل كل القطاعات في حال فرملة قوية . فرأس المال معروف بأنه جبان يشترط أن تكون الصورة أمامه واضحة لا رمادية، ولا يتحمل مغامرات. إلا أن كثيرين من المستثمرين اللبنانيين يتوقعون أن يقوموا بأعمال بناء ضخمة بعد انتهاء الأزمة في سوريا التي يعتبرون أنهم الأدرى فيها والأقدر والأكثر خبرة للقيام بهذه المهمات الكبيرة . علما أن قطاعات عدة في لبنان، بينها عدد من المصارف، استثمرت في البلد المجاور قبل اندلاع النزاع المسلح فيه وأصيبت بخسائر متفاوتة تمكنت من استيعابها.

في سياق آخر ، تذكر بلعة أن لا احصاءات رسمية للاضرار الجسيمة في الاقتصاد السوري ، ، لكن ثمة دراسات تقدر أنها تتفاوت ما بين 46% و81% من الناتج المحلي الاجمالي، اي  ما بين 24 و48 مليار دولار. وتجمع التحليلات على وصف الانهيار الاقتصادي بالـ"قياسي"، مقارنة بدول شهدت نزاعات مسلحة. في حين أن الليرة السورية خسرت، أقله اكثر من 50% من قيمتها واستنزفت احتياط مصرف سوريا المركزي.

يتابع رجال المال والإقتصاد في بيروت باهتمام شديد ويومي أوضاع الإقتصاد السوري. ويتداولون تقريراً نشره "المركز السوري لبحوث السياسات"، وهو يظهر أن الخسائر توزعت ما بين 50% في الناتج و43% في مخزون رأس المال، ويتوقع ان تكون أدت إلى نمو سلبي في الناتج بنسبة -18٫8% في 2012، وارتفع عجز الموازنة إلى 18٫5% من الناتج، مما يعني أنه كان للأزمة أثر سلبي في ميزان المدفوعات، ليصل العجز التراكمي إلى 16 مليار دولار يموّل من الاحتياط الأجنبي الذي تراجع من نحو 18 مليار دولار العام 2010 إلى نحو ملياري دولار في 2012.

وتجلت الإنعكاسات الاقتصادية والاجتماعية للنزاع المسلح وفق التقرير، في ارتفاع الأسعار، الذي كان له تأثيره السلبي في العائلات السورية، اذ سجلت أسعار الغاز والكهرباء أعلى نسبة ارتفاع، يليها الطعام ومشتقات الحليب مروراً بالمشروبات غير الكحولية والسكر، ثم الملابس والأحذية والخبز والحبوب، إضافة إلى ارتفاع ملحوظ في أسعار الصيانة والتجهيزات. وسجل أعلى معدل ارتفاع للأسعار في محافظة حلب.

وتركت العقوبات المفروضة على سوريا أثراً سلبياً على مستوى المعيشة، اذ كبّدت السوريين، ولا سيما الفقراء والفئات الهشة منهم، كلفة اقتصادية مرتفعة، وساهمت في انخفاض رفاه الأفراد، وأعاقت العقوبات الدولية تقدم التنمية وزيادة دخل الفرد، مما جعل سوريا في مراتب أدنى من المستوى المتوقع للتنمية البشرية، مقارنة بالتقدم المحقق قبل عقوبات 2011.

وكان قطاع النفط الخاسر الاكبر نتيجة للعقوبات وانسحاب الشركات الأجنبية منذ تشرين الأول 2011 وتراجع إنتاج النفط 47% وتراجع الصادرات، مما جعل الانتاج النفطي بالكاد يكفي لتغطية حاجات المصارف المحلية ويفضي إلى خسارة الاقتصاد أحد أهم مصادر القطع الأجنبي، وانعكس ذلك تاليا على مختلف القطاعات الاقتصادية.

لم تقتصر آثار العقوبات على هذه المجالات، فهي شملت قيودا على المعاملات المالية والتأمين والنقل، وأدت إلى تعقيدات في استيراد المشتقات النفطية، مثل المازوت والغاز المنزلي، ما تسبب بنشوء أسواق سوداء أثرت سلبا على تكاليف المعيشة للأسر.

وكان حاكم مصرف سوريا المركزي أديب ميالة أعلن انه سيتخذ "إجراءات حاسمة" لوقف ارتفاع الدولار الذي تخطى عتبة الـ110 ليرات سورية مراراً، بعدما كان يعادل نحو 50 ليرة سورية. هكذا لم تستطع الليرة الصمود امام الصدمات المتتالية، فخسرت أكثر من 16% من قيمتها أمام الدولار، وواصلت انخفاضها في الـ2012 لتفقد نحو 70% من قيمتها ما ينعكس مباشرة على ارتفاع الأسعار وتكاليف المعيشة وتاليا معدلات الفقر.

الا ان الخبير الاقتصادي السوري محيي الدين قصار يسجل ان الدولار قفز خلال الثورة من 47 ليرة للدولار ليصل الى 113 ليرة سورية، أي ان سعره تضاعف بمعدل 2٫3 أو 230% في فترة زمنية قياسية.

وكان النظام السوري اعتمد منذ اندلاع النزاع المسلح سياسة دعم الليرة مستخدما احتياط العملة الصعبة المتوافر لدى البنك المركزي،  الأمر الذي خفض هذا الإحتياط الى الانخفاض من 23 مليار دولار قبل الثورة إلى 5 مليارات دولار بعد 6 أشهر. وبعملية حسابية بسيطة يتبين فقدان سوريا نحو  78% من احتياط عملتها الصعبة. في حين يتردد ان الودائع في المصارف السورية الثمانية، تراجعت إلى ما بين 30 إلى 35%.

وطبيعي في هذه الحال أن يهرع التجار الكبار وحتى المواطنون العاديون بكل الوسائل إلى استبدال أموالهم بالعملة الأميركية متجاوزين ما استطاعوا التدابير الرسمية المانعة، وهم يهربون أموالهم بطرق شتى إلى الخارج ،  بعد منعهم من سحبها دفعة واحدة بالعملات الاجنبية.

يذكر أن اقتصاد سوريا يعتمد منذ أكثر من 42 عاما على اقتصاد "دولة الرعاية"، فيستفيد نحو 85 في المئة من السوريين الـ 24 مليوناً من دعم الدولة  للسلع والخدمات الأساسية، مما يفسر أحوال الضيق الشديد التي يعانونها مع عجز الدولة المتوقع أن يتفاقم أكثر فأكثر على وقع المعارك وتمادي المأساة. 

More from Elie Hajj

Recommended Articles