نبض العراق

هل يخضع الحشد الشعبيّ إلى تعيين هيئة رئاسته وقادته من قبل البرلمان؟

p
بقلم
بإختصار
يبدو أنّ فكرة ذهاب هيئة رئاسة الحشد الشعبيّ إلى التصويت داخل مجلس النوّاب العراقيّ، قد يكون فيها الكثير من المبالغة، فالحشد الشعبيّ، وإن خضع إلى هذه الآليّة شكليّاً، إلّا أنّ مواصفات رئاسته وقادته محدّدة منذ وقت سابق.

في ظلّ السيطرة السياسيّة والمذهبيّة على هيئة الحشد الشعبيّ في العراق، تطرح تساؤلات عدّة عن إمكان الحكومة العراقيّة ضبطها ضمن سياقات الدولة، وإخضاع رئاستها وقادة ألويتها إلى تصويت مجلس النوّاب العراقيّ، مثلما يسري الحال، وفق الدستور العراقيّ، على بقيّة المؤسّسات الأمنيّة والعسكريّة العراقيّة.

أظهرت الأزمة الأخيرة في العراق في شأن التفجيرات التي حدثت في مخازن الحشد الشعبيّ، الانقسامات التي يعاني منها الحشد في هيئة رئاسته في شكل علنيّ، وبرزت إلى السطح التوجّهات التي تعمل عليها الهيئة المنقسمة بين رئيسها فالح الفيّاض ونائبه أبو مهدي المهندس.

حفّز الخلاف بين الفيّاض والمهندس من جديد عمليّة الذهاب إلى تعيين رئاسة الهيئة والقادة فيها من قبل مجلس النوّاب العراقيّ، على عكس ما كان عليه الحشد الشعبيّ خلال السنوات الخمس الماضية التي كان فيها تعيين القادة يتمّ عبر رئاسة الحشد، من دون العودة إلى البرلمان، وهذه تعيينات عادة ما تكون على أسس ولائيّة وعقائديّة وسياسيّة.

قال السياسيّ العراقيّ إحسان الشمري في تصريحات صحافيّة في 27 آب/أغسطس المنصرم، إنّه "من المقرّر خضوع قادة الحشد الشعبيّ إلى تصويت البرلمان، بعد إعادة هيكلته، فقانون الحشد الشعبيّ الذي صدر في عام 2016 تمّت مواءمته مع القوانين العسكريّة، وما يترتّب على الجيش العراقيّ يترتّب على الحشد الشعبيّ".

وأضاف أنّ "القادة العسكريّين والأمنيّين في العراق يخضعون إلى تصويت البرلمان، والحشد الشعبيّ يجب أن يكون كذلك، وبعد إقرار الهيكلة خلال الفترة المقبلة، ستتمّ عمليّات تعيين القادة والدرجات الخاصّة في الحشد من خلال مجلس النوّاب العراقيّ".

وتنصّ الفقرة ب من المادّة الخامسة من الدستور العراقيّ، على أن يصوّت مجلس النوّاب على أصحاب الدرجات الخاصّة. وتعتبر هيئة رئاسة الحشد الشعبيّ وقادة ألويته من أصحاب الدرجات الخاصّة، لكنّهم لم يخضعوا إلى تصويت البرلمان حتّى الآن.

إنّ رئيس هيئة الحشد الشعبيّ فالح الفيّاض ورئيسه جمال الابراهيمي المعروف باسم "أبو مهدي المهندس" لم يصوّت عليهما مجلس النوّاب عندما تسلّما منصبيهما، وبالتالي هما في المنصبين منذ 5 سنوات تقريباً من دون تصويت مجلس النوّاب على ذلك.

يعتقد مستشار المركز العربيّ للأبحاث ودراسة السياسات يحيى الكبيسي أنّ "الطرح الخاصّ بتصويت مجلس النوّاب على هيئة رئاسة الحشد الشعبيّ وقادة ألويته غير واقعيّ"، فبحسب قوله، إنّ "فصائل الحشد الشعبيّ لديها مرجعيّاتها الدينيّة والأيديولوجيّة والسياسيّة، التي لا علاقة لها ببنية الدولة".

وقال الكبيسي لـ"المونيتور" إنّ "أيّ محاولة في هذا الاتّجاه ستبقى مجرّد محاولة شكليّة تماماً كما قانون الحشد الشعبيّ والأوامر الديوانيّة المتتالية، التي كانت مجرّد ورقة لشرعنة هذه الفصائل، وليس إدماجها في بنية الدولة في شكل حقيقيّ".

ويذهب كبير الباحثين في مركز الدراسات الإقليميّة في الجامعة الأميركيّة في السليمانيّة رحمن الجبّوري، مع بعض ما ذهب إليه يحيى الكبيسي، ويرى أنّ التعيينات الحاليّة في الحشد الشعبيّ هي تعيينات "ولائيّة عقائديّة".

وقال الجبّوري لـ"المونيتور" إنّ "التعيينات الحاليّة ولائيّة عقائديّة تصلح لقيادة متطوّعين لا جيشاً يتبع سياقات الأوامر العسكريّة وانضباطها، والحشد مبنيّ على فلسفة الحلال والحرام، لا على فلسفة الدولة".

من المستبعد في الوقت الحاليّ أن تخضع هيئة رئاسة الحشد الشعبيّ أو تعيين قادة ألويته إلى تصويت مجلس النوّاب العراقيّ، فهو وإن كان تابعاً إلى الدولة العراقيّة ولديه قانون، إلّا أنّه في المحصّلة تشكيلاً من فصائل ذات توجّه واحد، وربّما لا تؤمن أغلبيّتها بمفهوم الدولة.

تحدّث الخبير القانونيّ العراقيّ طارق حرب إلى "المونيتور" عن وجود "تأجيل" لعرض أسماء القادة والأجهزة الأمنيّة في مجلس النوّاب العراقيّ، إلى حين الانتهاء من بعض التفاصيل المتعلّقة بالهيكليّات والأنظمة الداخليّة.

وقال لـ"المونيتور": "بالنسبة إلى الحشد الشعبيّ، لم يتّخذ أيّ إجراء مناسب لتنفيذ القانون والأمر الديوانيّ تأجّل تنفيذه، لذلك مسألة إخضاع قادته إلى تصويت مجلس النوّاب تبدو معقّدة وليست بسيطة".

وفي ظلّ النفوذ الإيرانيّ الكبير داخل العراق، خصوصاً داخل الحشد الشعبيّ الذي ينقسم بين حشد مرتبط في شكل أو في آخر بإيران أو موالٍ لها، وحشد يخضع إلى أوامر الدولة العراقيّة، فإنّه من الصعب جدّاً أن يكون قادة ألوية الحشد من المناهضين للسياسة الإيرانيّة في العراق، أو على الأقل من غير المتوافقين معها، فهو بذلك سيكون تحت أمرة الدولة العراقيّة ولن يكون بعض فصائله أوراق ضغط في يد طهران.

وإن نصّ الدستور العراقيّ على تعيين أصحاب الدرجات الخاصّة من قبل البرلمان، إلّا أنّ قانون هيئة الحشد الشعبيّ لسنة 2016 لم ينصّ صراحة على ذلك، وهو ما أبقى الأمر مفتوحاً ومطّاطيّاً وقابلاً للتأويل.

قال الباحث في مركز النهرين للدراسات الاستراتيجيّة هشام الهاشمي لـ"المونيتور" إنّ "التصويت على الهيئات وأصحاب الدرجات الخاصّة تأجّل إلى 24 تشرين الأوّل/أكتوبر المقبل، والحشد الشعبيّ سيكون من ضمن هذه الهيئات، فالحشد من حصّة تحالف الفتح برئاسة هادي العامري وهو من سيختار هيئة رئاسته وقادة ألويته".

في ظلّ الاحتدام الكبير داخل الأوساط السياسيّة العراقيّة حول توزيع الهيئات والوكالات ومناصب المدراء العامّين ضمن عمليّة المحاصصة السياسيّة أو مثلما تجمّل من قبل السياسيّين عمليّة "التوازن"، فإنّ الحشد الشعبيّ سيكون خاضعاً إليها أيضاً.

في المحصّلة، سيكون الحشد الشعبيّ ضمن قائمة توزيع الهيئات التي تتصارع عليها الأحزاب العراقيّة، وسيكون من حصّة الأحزاب الشيعيّة، تحديداً تحالف الفتح بزعامة هادي العامري ويضمّ عدداً من فصائل الحشد، وبالتالي فإنّ عمليّة تعيين هيئة رئاسته وقادة ألويته ستبقى ضمن إطار محصور بعدد من الأفراد والفصائل الشيعيّة، وإنّ الذهاب إلى التصويت في مجلس النوّاب لم يتعدّ كونه آليّة شكليّة فقط.

للاستمرار في قراءة المقالة، اشترك في موقع المونيتور

  • مجموعة من المقالات المؤثّرة والمحدّثة والحاصلة على جوائز
  • مقالات مؤرشفة
  • أحداث حصريّة
  • رسالة الكترونية بالأسبوع في نشرة
  • Lobbying newsletter delivered weekly

مصطفى سعدون هو صحفي عراقي معني بصحافة حقوق الانسان، ومؤسس ومدير المرصد العراقي لحقوق الانسان. عمل مراسلاً في مجلس النواب العراقي.

x

The website uses cookies and similar technologies to track browsing behavior for adapting the website to the user, for delivering our services, for market research, and for advertising. Detailed information, including the right to withdraw consent, can be found in our Privacy Policy. To view our Privacy Policy in full, click here. By using our site, you agree to these terms.

Accept