نبض الأردن

أرشيف رقميّ يحفظ الجانب الابداعيّ من الثورة السوريّة

p
بقلم
بإختصار
يهدف مشروع يحمل اسم "الذاكرة الإبداعيّة للثورة السوريّة" إلى إنشاء أرشيف إلكترونيّ للتعبير الفنيّ في خلال الثورة السوريّة، ناشراً آلاف الرسوم الكاريكاتيريّة والأغاني والصور وغيرها من الوسائط التي يعبّر فيها السوريّون عن المقاومة والأمل.

شهدت الثورة السوريّة دفقاً غير مسبوق من التعابير الثقافيّة. فمنذ اندلاع التظاهرات في كلّ أنحاء البلاد سنة 2011، وظّف مواطنون من جميع الأطياف الفنّ والهجاء والكتابة الإبداعيّة من أجل الوقوف ضدّ النظام. ولم تدعُ تلك التظاهرات في البداية إلى سقوط الرئيس السوريّ بشار الأسد، بل إلى مزيد من الحريّات والكرامة، وبقيت سلميّة نسبيّاً حتّى كانون الأول/ديسمبر 2011 عندما بدأت مجموعات متمرّدة تتشكّل تحت مظلّة الجيش السوريّ الحرّ ردّاً على عنف القوّات الأمنيّة التابعة للدولة. ومع اختفاء أصوات المواطنين السوريّين وسط الاشتباكات العنيفة التي عصفت بالبلاد في السنوات الستّ الماضية، كيف سيتمّ تذكّر الحسّ الإبداعيّ للثورة في السنوات المقبلة؟

لقد أرادت مصمّمة الغرافيك السوريّة سنا يازجي الحرص على ألا تصبح تلك الأصوات السلميّة والأعمال الإبداعيّة في طيّ النسيان. وبعد هروبها من مسقط رأسها دمشق واستقرارها في بيروت، أنشأت موقعاً بسيطاً من خلال برنامج "ووردبريس" من أجل نشر بعض تلك الأعمال. وكان هدفها أن توثّق كيف رفع السوريّون الصوت وطالبوا بحقوقهم بعد 50 سنة من الصمت الذي فرضته الحكومة.

واليوم، يتضمّن الموقع الإلكترونيّ ثلاثيّ اللغات الذي يحمل اسم "الذاكرة الإبداعيّة للثورة السوريّة"، حوالى 23 ألف وثيقة متوافرة باللغات العربيّة والفرنسيّة والانكليزيّة. ويحظى هذا المشروع وكتاب مرتبط به يحمل اسم "قصّة مكان، قصّة شعب" برعاية مؤسّسة "فريدرش إيبرت" والسفارتين السويسريّة والنروجيّة ومؤسّسة CCFD-Terre Solidaire الفرنسيّة، بالشراكة مع مؤسّستي TANDEM وScene Nationale. وتهدف المشاريع إلى "تسليط الضوء على الحراك المدنيّ السلميّ والقضيّة المحقّة للشعب السوريّ، الذي لطالما أهمله الإعلام"، بحسب ما هو مذكور في مقدّمة الكتاب.

لقد جمعت يازجي وفريقها المؤلّف من 25 فنّاناً وإخصائيّاً لغويّاً وعالماً جغرافيّاً أشكالاً متنوّعة من التعابير الفنيّة السوريّة على شبكة الانترنت وبحثا في سياقها – رسوم "غرافيتي" وجداريّات ورسومات ومنحوتات وأشرطة مصوّرة وصور وقصائد وأغانٍ ورسوم كاريكاتيريّة ونصوص - بدءاً من العام 2011 تقريباً، وصنّفوها بحسب تاريخها ومكان ابتكارها. ومن هذه الاكتشافات استوحي كتاب "قصّة مكان، قصّة شعب"، الذي بدأ كمشروع فرعيّ للموقع الإلكترونيّ.

وحدّدت يازجي وفريقها 235 مكاناً جغرافيّاً انطلقت منه الأشكال المتنوّعة للتعابير الثقافيّة المتعلّقة بالثورة. وقالت يازجي في مقابلة مع "المونيتور": "اخترنا 50 مكاناً منها فقط من أجل الكتاب. إنّ وجود مواقع كثيرة شهدت أنشطة مدنيّة ثوريّة هو جواب لكلّ من يسأل لماذا شهدت درعا وحمص وحدهما تظاهرات. فعندما توثّق الثورة، ترى أنّ التظاهرات والأنشطة المدنيّة غير العنيفة انتشرت في كلّ أنحاء البلاد".

وبغية فهم حجم الإحباط المدنيّ والتعابير الفنيّة التي نجمت عنه، يتضمّن كلّ أرشيف نصّاً يشرح سياقات العمل الفنيّ التاريخيّة والبشريّة. على سبيل المثال، إنّ الهجمات بالأسلحة الكيمياويّة التي استهدفت منطقة غوطة دمشق الزراعيّة سنة 2013 والتي أكّدها فريق من المفتّشين تابع لمنظّمة الأمم المتّحدة مجسّدة على شكل رسوم كاريكاتيريّة ورسومات ومنحوتات يروي فنّانون وناشطون من خلالها نسخة أخرى من التاريخ.

وقالت رسّامة الكاريكاتير السوريّة ديالا بريسلي، التي يتضمّن الموقع الإلكترونيّ عدداً كبيراً من رسومها، لـ "المونيتور": "من الرائع أن تقوم مجموعة من الأشخاص بأرشفة أعمالنا الفنيّة ووضعها في منصّة وسط الفوضى، خصوصاً أنّ غالبيّة الأعمال مرتبطة بأحداث مهمّة جداً".

وبالإضافة إلى الفنّ البصريّ، شهدت الثورة إحياء للأغاني الفلكلوريّة والأنغام العربيّة التقليديّة وألحاناً جديدّة ملفتة. وقال المدوّن والمترجم السوريّ ياسر الزيّات بمناسبة إطلاق الكتاب في فندق "كراون بلازا" في بيروت الشهر الماضي: "أيّ وسيلة أفضل للردّ على بشار من تكرار أغاني أم كلثوم الكلاسيكيّة؟". وبدأ الزيّات، على قناته على "يوتيوب"، المعلقّة في الوقت الحاليّ، بمشاركة وتحليل الأغاني والرقصات الاحتجاجيّة قبل أن تصبح الثورة عسكريّة الطابع بالكامل في صيف 2012.

ومع أنّ الأعمال الأرشيفيّة لا تستطيع الحؤول دون أعمال عنف مستقبليّة، إلا أنّها تصلح للتذكير والتحذير. وقال البروفسور الجامعيّ والمؤرّخ اللبنانيّ فواز طرابلسي، مؤلّف كتاب "تاريخ لبنان الحديث"، إنّ الثقافة الإبداعيّة التي انتشرت في طبقات المجتمع السوريّ كافّة لم تكن محصورة بالنخب وحدها.

وقال طربلسي بمناسبة إطلاق الكتاب: "مرّ لبنان بحروب مختلفة في الخمسينيّات والستينيّات، وشهدنا أيضاً حرباً أهليّة. ماذا علينا إذاً أن نتذكّر عن سوريا؟ علينا أن نتذكّر دائماً لماذا اندلعت الثورة أو الحرب. إنّ مشروع يازجي هو أحد الأمثلة الأكثر قوّة على استخدام النظام للعنف من أجل الردّ على أناس سلميّين".

وأشارت يازجي إلى أنّ المشروع كان صعباً في ظلّ القمع الحكوميّ ومحاولات الأسد قمع الحراك الشعبيّ والسلميّ. فالصحافيّون الأجانب الذين سُمح لهم بدخول البلاد كانوا قلائل، ما جعل إعداد التقارير صعباً للغاية. وأضافت أنّ "فيسبوك" و"يوتيوب" حذفا عن غير قصد مؤخّراً آلاف المقاطع المصوّرة التي نشرها مواطنون صحافيّون والتي كان بالإمكان استخدامها لتوثيق جرائم حرب محتملة في سوريا.

ونتيجة لذلك، حرصت يازجي على التحقّق من صحّة المعلومات التي جمعتها ومقارنتها بمصادر لا تعدّ ولا تحصى، وعلى إدراج شهادات سكّان وناشطين من أجل "إنتاج نصوص عن الخلفيّة قريبة من الواقع قدر المستطاع".

وقالت إنّ التحدّي الأكثر صعوبة كان العبء النفسيّ الذي واجهه الباحثون التابعون لفريقها والذين انسحب عدد كبير منهم في منتصف الطريق. وأضافت: "ينسى الناس العاديّون ما حصل لكي يتمكّنوا من متابعة حياتهم اليوميّة. أمّا نحن فنفعل العكس، وبشكل يوميّ. إنّه تمرين على المعاناة". على سبيل المثال، اكتشف أحد زملائها في خلال عمليّة البحث أنّ تنظيم الدولة الإسلاميّة اختطف الشاعر محمد بشير العاني ونجله وأعدمهما.

وقالت يازجي: "من يموتون يقدّمون إلينا حياتهم، وعلينا أن نأخذ هذه الحياة ونستمرّ بها لكي يكون موتهم ذا معنى. مسؤوليّتي هي أن أتذكّر أنّ هذه المعركة شرعيّة ونابعة "إلى الأبد" من بطش الأسد". 

AJ Naddaff is a journalist based in Amman, Jordan, working for Ammannet.net and Radio al-Balad. He is also a researcher on the Syrian conflict for the chair of the Arab studies department at Davidson College. On Twitter: @ajnaddaff

x

Cookies help us deliver our services. By using them you accept our use of cookies. Learn more... X