نبض لبنان

حافظ مخلوف: قصّة خروج هادئ

p
بقلم
بإختصار
كشفت مصادر موثوقة لموقعنا، أنّ العقيد في الجيش السوريّ حافظ مخلوف، غادر دمشق منتصف الأسبوع الفائت، عبر بيروت، في زيارة موقّتة إلى خارج سوريا، وذلك بعلم سلطات بلاده وإذن منها، علماً أنّه التحرّك الأوّل لمخلوف بعد قرار تنحيته من منصبه، "بناء على طلبه"، كما تردّد الأوساط السوريّة الرسميّة. الخبر ليس عادياً. لأن الرجل المقصود ليس كذلك. فحافظ مخلوف هو ابن خال الرئيس السوري بشار الأسد....

كشفت مصادر موثوقة لموقعنا، أنّ العقيد في الجيش السوريّ حافظ مخلوف، غادر دمشق منتصف الأسبوع الفائت، عبر بيروت، في زيارة موقّتة إلى خارج سوريا، وذلك بعلم سلطات بلاده وإذن منها، علماً أنّه التحرّك الأوّل لمخلوف بعد قرار تنحيته من منصبه، "بناء على طلبه"، كما تردّد الأوساط السوريّة الرسميّة. الخبر ليس عادياً. لأن الرجل المقصود ليس كذلك. فحافظ مخلوف هو ابن خال الرئيس السوري بشار الأسد. وهو كان حتى ما قبل أسبوعين، أحد أكثر المسؤولين الأمنيين قوة ونفوذاً في نظامه. كما شكل رأس حربة في الصراع الدائر في سوريا منذ أكثر من ثلاثة أعوام. لا بل قيل أنه هو من بنى الدرع الأمنية الواقية للعاصمة السورية دمشق، في وجه أي شكل من أشكال المعارضة للنظام، سلمية كانت أو عسكرية. وذلك انطلاقاً من موقعه الأمني كمسؤول عن العاصمة نفسها. لكن كل ذلك انتهى قبل أيام. فجأة صدر قرار عن قيادة الجيش السوري بإعفاء العقيد مخلوف من مسؤوليته. قرار ترك تساؤلات كثيرة عن اسبابه وخلفياته. كما عن مصير الرجل، وماذا سيفعل بعده. هل يغادر نهائياً؟ هل يعود إلى سوريا؟ هل تخلى عن النظام أم تخلى النظام عنه؟ اسئلة كثيرة عن ركن أساسي في الحرب السورية المفتوحة.

إذ ليس العقيد حافظ مخلوف مجرد نسيب عادي للرئيس السوريّ. فالمسألة أكثر تعقيداً وتأثيراً.فهو يشكّل مع عائلة مخلوف الواسعة النفوذ علويّاً وسوريّاً، إحدى أكثر الحلقات صلابة وقوّة حول الرئيس كما حول النظام. وهو شقيق رامي مخلوف، رجل الأعمال السوريّ الشهير والنافذ، والذي كانت لوائح العقوبات الغربيّة قد لاحقته منذ بداية الأزمة في سوريا، قبل أن يتردّد أنّه تخلّى عن معظم أعماله لصالح الدولة والشعب السوريّين. وكان حافظ ورامي يرمزان إلى حلقة العائلة الأقرب إلى الرئيس، إلى جانب شقيقه ماهر وصهره الراحل آصف شوكت، زوج شقيقة الرئيس بشرى، الذي قتل في الانفجار الذي استهدف خليّة الأزمة الأمنيّة أثناء اجتماعها في دمشق في 18 تموز/يوليو 2012.

وإذا كان رامي مخلوف قد بنى شهرته السوريّة في عالم المال والأعمال، فإنّ شقيقه حافظ قد بناها في عالم العسكر والاستخبارات. فبعد صعود سريع في تراتبيّة الجيش السوريّ، عيّن عام 2008 مسؤولاً عن الفرع 40، ضمن وحدة الأمن الداخليّ في جهاز أمن الدولة. ولفهم أهميّة الموقع، تجدر الإشارة إلى أنّ وحدة الأمن الداخليّ هذه هي المسؤولة عن "أمن" كلّ ما هو مدنيّ في سوريا. فباستثناء الجيش والقوى المسلّحة الخاضعة لسلطة أجهزة أخرى، تشمل صلاحيّة الأمن الداخليّ "العلاقة" بين النظام وبين الأحزاب والنقابات والجامعات والطلاّب... وبالتالي، مع كلّ ما هو حيّ متحرّك في المجتمع المدنيّ السوريّ. أمّا الفرع 40 ضمن هذه الوحدة، فهو الفرع المولج كلّ تلك المسؤوليّات، في نطاق العاصمة السوريّة دمشق، أي في نطاق أكثر من ثلث سكّان سوريا، وأكثر من نصف سياسيّيها وطلاّبها.

هكذا كان هذا الفرع، وهذه الوحدة تاريخيّاً، موقع نفوذ وقوّة أساسيّين داخل النظام. يكفي ذكر أنّ الرئيس السوريّ الراحل حافظ الأسد، كان قد عهد بهما إلى أحد أبرز معاونيه وأقربهم إليه، اللواء محمّد ناصيف خير بك، المعروف بأبو وائل. وبعد تقاعد أبو وائل، تسلّم هذا المركز اللواء بهجت سليمان، أحد أبرز أركان عهد بشّار الأسد في بداياته. وقيل أنّ سليمان هو من أقنع الرئيس الجديد يومها بشّار الأسد، بالسماح بحركة لجان المجتمع المدنيّ، التي أطلقت ما سمّي "ربيع دمشق" عام 2001، قبل أن يتحالف الحرس القديم، وعلى رأسه نائب الرئيس يومها عبد الحليم خدّام و رئيس الاركان السابق حكمت الشهابي، لإقناع الأسد بضرب تلك الحركة وحظرها والعودة إلى سياسة القبضة الحديديّة. بعدها، ترك سليمان هذا المركز وانتقل إلى السلك الدبلوماسيّ سفيراً، حتّى بات اليوم سفير سوريا في الأردن، لكن المقيم في دمشق بعد الأزمة الأخيرة بين العاصمتين السوريّة والأردنيّة.

هكذا، تولّى حافظ مخلوف إذاً أحد أهم مراكز القوّة العسكريّة والأمنيّة في دمشق. وظلّ في هذا الموقع حتّى ما قبل أسبوعين. وقد قيل إنّه نجح في تطوير ذلك الفرع وتجهيزه بأحدث التقنيّات الأمنيّة والاستخباراتيّة. والنجاح في موقع أمنيّ في بلد مثل سوريا، لا بدّ أن يعني إثارة حساسيّة مزدوجة لدى مواقع النظام الأخرى المتنافسة أوّلاً، كما لدى الناس المعنيّين بصلاحيّات هذا الجهاز الأمنيّ ثانياً. وهو ما يفسّر تنحية مخلوف من مركزه، علماً أنّه يمكن قراءة الخطوة على أنّها جزء من رسائل حسن النيّة المزدوجة أيضاً، والموجّهة من قبل النظام: رسائل إلى الداخل السوريّ، في محاولة امتصاص نقمة الناس واستيعاب بعض غضب الشارع حيال المسؤولين الذين كانوا موضع شكوى، ورسائل إلى الخارج، بمعنى استعداد النظام إلى تقديم الضحايا، وإبعاد الأسماء المدرجة على اللوائح السوداء، في سياق إظهار جدّيته في إطلاق عمليّة الإصلاح. وهي الخطوة الثانية البارزة في هذا المجال، بعد أسابيع على إعفاء ضابط علويّ بارز آخر، هو العقيد صقر رستم، مسؤول لجان الدفاع الشعبيّ في حمص، من مهامه. ويجعل موقع حافظ مخلوف والاعتبارات المحيطة بإسمه، من إبعاده خطوة أهمّ بكثير من إبعاد رستم. وهو ما يفتح الأفق السوريّ على أسئلة من نوع: هل من رؤوس أخرى كبيرة ستطير؟ وكيف يمكن لإجراءات كهذه أن تنعكس على إدارة دمشق لمعركتها الراهنة؟ فهل تتمّ بالتنسيق مع جهّات خارجيّة ما، بما يؤمّن اطمئنان النظام إلى ما بعدها؟ أم أنّها نتيجة بروز طبقة قياديّة جديدة داخل النظام نفسه، أفرزتها أعوام الحرب الشرسة، حتّى باتت تفرض معادلاتها الجديدة داخل دمشق؟

أسئلة تستحقّ المتابعة في الآتي من الأيّام والأحداث. 

للاستمرار في قراءة المقالة، اشترك في موقع المونيتور

  • مجموعة من المقالات المؤثّرة والمحدّثة والحاصلة على جوائز
  • مقالات مؤرشفة
  • أحداث حصريّة
  • رسالة الكترونية بالأسبوع في نشرة
  • Lobbying newsletter delivered weekly
وجد في : syria, security, reform, damascus, bashar al-assad

جان عزيز كاتب مساهم في صفحة "نبض لبنان" على موقع المونيتور. وهو كاتب عمود في صحيفة الأخبار اللبنانية ومقدم برنامج حواري سياسي أسبوعي على محطة OTV التلفزيونية اللبنانية. وهو يدرّس أيضًا الإعلام في الجامعة الأميركية للتكنولوجيا (AUT) وجامعة الروح القدس - الكسليك في لبنان.

x

The website uses cookies and similar technologies to track browsing behavior for adapting the website to the user, for delivering our services, for market research, and for advertising. Detailed information, including the right to withdraw consent, can be found in our Privacy Policy. To view our Privacy Policy in full, click here. By using our site, you agree to these terms.

Accept