رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو هو متطرّف يميني، ورجل سياسة بدون بصيرة، وشخص يتبع نزواته ومراوغ (فليس من اللّطيف أن نصف رئيس وزراء بالكاذب)، لكنّه ليس بالغبي أبدًا. يصعب التّصديق بأنّه لم يستبق العاصفة السّياسيّة التي نتجت من قراره بعدم تحميل أدولف هتلر المسؤوليّة الكاملة لإبادة اليهود في خطاب ألقاه في المؤتمر الصّهيوني العالمي في القدس. وعلينا أن نفترض أنّ نتنياهو لم يندهش من ردود الفعل القاسية على نسبه مبادرة قتل اليهود إلى مفتي القدس الحاجّ أمين الحسيني. وهو كان مدركًا على الأرجح لأنّه يعيد كتابة أفظع فصل في تاريخ الشّعب اليهودي. لكنّ نتنياهو غير مهتمّ بمراجعة التّاريخ، فهو منشغل للغاية في مراجعة الحقيقة.
كان هذا هو الحال أيضًا عندما أعلن نتنياهو يوم الانتخابات أنّ "النّاخبين العرب يتوافدون بأعداد كبيرة إلى مراكز الاقتراع"، مضيفًا أنّ "المنظّمات اليساريّة تخرجهم بالحافلات". ومع أنّ ذلك كان أكذوبة عنصريّة، هي ساعدت نتنياهو بدون شكّ على الفوز بالانتخابات مرّة أخرى. وبعد أن ساعدته هذه الكذبة على البقاء في شارع بلفور، دعا نتنياهو مجموعة من المتملّقين العرب وأعطاهم عذرًا واهيًا.
بالنسبة إلى نتنياهو، لتنتقد وسائل الإعلام قدر ما تشاء الكذبة المثيرة للاشمئزاز حول 'الحلّ الأخير'. ما الفرق إذا كان الحسيني قد اقترح على هتلر أن يحرق اليهود أم أن يطردهم فحسب؟ كما هو الحال دائمًا، سينشر توضيحًا في اليوم التّالي، وستحوّله صحيفة "إسرائيل هيوم" المؤيّدة له إلى ضحيّة التيار اليساري. خلاصة الأمر هي أنّه في غضون ذلك، ستُخرِج الصّحف من أرشيفاتها صورة قائد فلسطيني يجلس بارتياح جنب النازي الكريه.
حتّى إنّ نتنياهو لا يتكبّد عناء إخفاء واقع أنّ ذكر المفتي هدف إلى وضع مسمار آخر في نعش حلّ الدّولتين. وقبل صعوده درج الطّائرة التي نقلته إلى برلين يوم 20 تشرين الأوّل/أكتوبر، اعترف نتنياهو أنّ الهدف من تصريحه كان "إظهار أنّ أسلاف الأمّة الفلسطينيّة، بدون بلد وبدون ما يسمّى بـ'الاحتلال'، وبدون أرض وبدون مستوطنات، حتّى عندها سعوا إلى التّحريض المنهجي على إبادة اليهود". ما من دليل أفضل، بحسب نتنياهو، على أنّ "جذور المشكلة" كانت ولا تزال في "التّحريض على قتل اليهود". من العام 1941، قبل سبع سنوات من قيام الدّولة اليهوديّة، يقفز نتنياهو بخفّة إلى العام 2015، حيث تملك دولة إسرائيل الجيش الأقوى في الشّرق الأوسط ومئات الأسلحة النوويّة، بحسب مصادر أجنبيّة. ومن العميل النّازي، هي قفزة سهلة إلى الرّئيس الفلسطيني محمود عباس – عباس نفسه الذي خاطر بحياته بتوقيعه على اتّفاقيّة أوسلو. بالإضافة إلى ذلك، استغلّ نتنياهو جلسة الكنيست الخاصّة بإحياء ذكرى رئيس الوزراء الرّاحل اسحاق رابين في 26 تشرين الأوّل/أكتوبر ليلقي كذبة بشأن عباس، متّهمًا إيّاه بـ"رفض التّخلّي عن حلم العودة إلى حيفا ويافا".
AL-MONITOR All-Access gives you unlimited access to all our journalism, the full Daily Briefing, exclusive interviews, premium newsletters, and live events — for less than $2/week.