"كل من يحاول مهاجمتنا، سوف نؤذيه"، هكذا صرخ رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو متوعّداً عبر ميكروفونات المراسلين عند انطلاقة اجتماع مجلس الوزراء في 20 أيلول/سبتمبر الجاري. بعد أربعة أيام، ترجم أعضاء الحكومة هذه العبارة قراراً يثبّت التساهل في قواعد الاشتباك بما يتيح للقوى الأمنية فتح النيران على راشقي الحجارة. فالقرار الذي يركّز على وضع حد لأعمال الشغب في القدس الشرقية وقمع راشقي الحجارة ومعاملتهم كالمجرمين، يتضمّن أيضاً توجيهات حول عقوبات الحد الأدنى. موقف نتنياهو، المستند كما يُزعَم إلى قواعد إطلاق النيران المعدَّلة، مستلهَم من التعاليم اليهودية: "إذا جاء أحدهم لقتلك، انهض باكراً واقتله أولاً" (تلمود، السنهدرين 72أ). وقد جاءت وفاة ألكسندر لفلوفيتش، من سكّان القدس، بعد فقدانه السيطرة على سيارته عشية رأس السنة اليهودية، في 13 أيلول/سبتمبر الجاري، إثر اصطدام حجر بالزجاج الأمامي وتصدّعه، لتُذكّر الإسرائيليين بأن الحجر يمكن أن يقتل. لقد قتل الحجر يهودياً بريئاً. لم يكن لفلوفيتش في طريقه للاستيلاء على منزل فلسطيني. جل ما أراده كان الوصول سالماً إلى منزله.
في العالم المعاصر، يُنظَر إلى الشباب المولودين في ظل احتلال يدوم منذ نحو خمسين عاماً وفقدوا كل أمل بالحرية، بطريقة مختلفة عن تلك التي يُنظَر بها إلى جنود وُلِدوا في بلد حر. فالمجتمع الدولي يتعامل مع حجرٍ في يد الضعيف بطريقة مختلفة تماماً عن تعامله مع بندقية في يد القوي. كيف يجب أن يشعر شابٌ فلسطيني من القدس الشرقية عندما يرشق بحجرٍ يهودياً قرّر بناء منزله في قلب حي فلسطيني؟
حكاية الصبي الذي رمى حجراً صوب عدو أقوى وأضخم منه، هي من الأساطير الراسخة في التقليد اليهودي. لقد تحوّل داود الصغير، الذي هزم العملاق جالوت بمقلاع وحجارة، رمزاً للشجاعة اليهودية وانتصار الضعيف وصاحب الحق على القوي والشرير. مدينة القدس حيث يرشق الشباب رجال الشرطة المسلّحين بالحجارة، تُسمّى أيضاً "مدينة داود"، تيمّناً بالفتى لذي لم يردعه العدو المدرّع المغطّى بالنحاس من رأسه حتى أخمص قدمَيه، والذي كان يرافقه رجالٌ مدجّجون بالسلاح. يرد في سفر صموئيل الأول، 17:49: "ومدّ داود يده إلى الكيس، وأخذ منه حجراً وقذف بالمقلاع، فضرب الفسطيني في جبهته، وانغرز الحجر في جبهته، فسقط على وجهه على الأرض. وانتصر داود على الفلسطيني بالمقلاع والحجر، وضرب الفلسطيني وقتله، ولم يكن في يد داود سيف".
وللحجر مكانةٌ مهمة أيضاً في الرواية البيبلية عن المرأة التي ألقت حجراً لتُحطِّم جمجمة الشرير أبيملك، بن جدعون بن يواش، الذي قتل إخوته الـ69. فطلب أبيملك المصاب من خادمه أن يستلّ سيفه ويقتله "لئلا يُقال عنّي: إنّ امرأة قتلته" (القضاة 9). هنا أيضاً، كان الحجر سلاح الضعيف. وفي هذه القصة أيضاً، الشخص الذي ألقى الحجر هو البطل. أحدثت صورة يظهر فيها المفكّر الفلسطيني البارز، الراحل إدوارد سعيد، يرمي حجراً عبر الحدود اللبنانية باتجاه ثكنة عسكرية إسرائيلية، وقعاً قوياً في مختلف أنحاء العالم قبل 15 عاماً. وقد نعته منتقدوه بالإرهابي، فردّت عليهم ابنته نجلاء سعيد، قبل عامَين، بالقول: "هذا أشبه بنعت غاندي بالإرهابي".
AL-MONITOR All-Access gives you unlimited access to all our journalism, the full Daily Briefing, exclusive interviews, premium newsletters, and live events — for less than $2/week.