حثّ الطابع شبه الحضاري للتصدّع العميق والصراع المستمرّ في الشرق الأوسط السلطات الروسيّة على التحلّي بمرونة استثنائيّة بهدف الإبقاء على أسس العلاقات الوديّة مع اللاعبين الإقليميين الأساسيين التي أمضت روسيا عقودًا عدّة لبنائها. تحدد الأحداث عبر التاريخ طبيعة هذه العلاقات إذ أنّ روسيا لم تشكّل قطّ قوّة استعماريّة في المنطقة. فخلال الحقبة السوفياتيّة، ساعد الدعم المستمرّ لحركات التحرّر الوطني العربيّة على إنشاء طاقات صناعيّة في العديد من دول المنطقة وعلى دعم القضيّة الفلسطينيّة. غير أنّه في السنوات الأخيرة، تمّ التركيز على الحدّ من تداعيات الصراع في الشيشان في تسعينيّات القرن الماضي، إذ أنّ عددًا من الدول الشرق أوسطيّة تعاطف مع الإنفصاليين هناك، لكن أيضًا من تداعيات السياسة الروسيّة تجاه الصراع القائم والمستمرّ في سوريا. وقد أظهرت بعض الدول الإقليميّة الأساسيّة علامات تفهّم للسياسة الروسيّة تجاه الوضع في سوريا.
في هذا الإطار، تسعى موسكو إلى توسيع شبكة الشركات الإقليميّة في الشرق الأوسط، وذلك بالإعتماد على فعاليّة دبلوماسيّتها ولكن أيضًا على التعاون في المجال التقني والعسكري الذي يشكّل نقطة إرتكاز لما يمكن لروسيا تقديمه لشركائها في المنطقة. وفي هذا المجال بالتحديد، ترتبط المصالح الإقتصاديّة بشكل خاص بالمصالح السياسيّة في المنطقة، وذلك نتيجة العقوبات الدوليّة المفروضة على روسيا.
من بين العروض التنافسيّة التي تقدّمها الصناعة الحربيّة الروسيّة، هي منظومات الدفاع الجوّي وخاصّة صورايخ أرض-جو من طراز S-300 (S-400, S-500) القابلة للتطوير. حاولت موسكو تسويق هذه الصواريخ على مدى سنوات في الشرق الأوسط لكنّها واجهت مقاومة شرسة منافسيها الأساسيين، إذ أنّ التقدّم الذي أحرزته في الظاهر شهد أحيانًا نكسات عدّة. فقد اضطرّت روسيا في مناسبتين إلى إلغاء عقدين لتزويد الشرق الأوسط بصوارخ S-300. ففي العام 2010، اضطرت إلى تأجيل صفقة تقضي بتزويد سوريا بأربع شحنات من صواريخ S-300PMU لمدّة سنة في العام 2013 بعد توجيه إسرائيل تهديدات للشاري، ممّا أدّى إلى إلغاء الصفقة من أساسها في نهاية المطاف. كما أنّه كان لا بدّ من التخلّص من بعض مكوّنات منظومة صواريخ سام التي تمّ تسليمها، بينما تم استخدام بعض المكوّنات الأخرى للوفاء بإلتزاماتها بموجب عقود أخرى.
في مناسبة أخرى في العام 2010، تمّ إلغاء صفقة مع طهران بعد فرض العقوبات الدوليّة على الأخيرة. فبموجب عقد تمّ إبرامه في العام 2007، كان يتعيّن تسليم خمس شحنات من صواريخ S-300PMU1. وخلّف إلغاء الرئيس ديميتري مدفيديف للصفقة مشاكل لم تكن في الحسبان. فعلى الرغم من أنّ روسيا أعادت الدفعة الأولى بقيمة 167 مليون دولار أميركي لإيران، قامت الأخيرة برفع دعوى تحكيم في جنيف لاسترداد مبلغ 4 مليارات دولار أميركي من المورد، أي شركة روسوبورون أكسبورت.
AL-MONITOR All-Access gives you unlimited access to all our journalism, the full Daily Briefing, exclusive interviews, premium newsletters, and live events — for less than $2/week.