لم يخف وزير الخارجيّة اللبنانيّة جبران باسيل، تعابير وجهه الجدّية، فيما كان يتحدّث في مؤتمره الصحافيّ المشترك مع نظيره الألمانيّ فرانك فالتر شتاينماير، في بيروت يوم الجمعة في 15 أيّار/مايو الماضي. كان الضيف الألمانيّ قد بدأ حديثه حول أوضاع النازحين السوريّين في لبنان، وحول ضرورة مساعدة الدولة اللبنانيّة على تحمّل هذا العبء الكبير. ولمّا جاء دور مضيفه اللبنانيّ، كان مفاجئاً ذهابه في المصارحة حتّى قوله أمام ضيفه: "نحن قلقون حيال الاستراتيجيّة المتّبعة من قبل بعض الدول في كيفيّة اختيار من سيستقبلون في بلادهم، وذلك وفق مواصفات معيّنة مثل الثقافة والدين. هذه المواقف، إضافة إلى الدعم الماديّ المباشر للنازحين في لبنان، هي من وجهة نظرنا مواقف غير مثمرة، إذ أنّها من جهّة، تشجّع النازحين على عدم العودة إلى وطنهم، ومن جهّة أخرى، تساهم في إفراغ المنطقة من جوهرها القائم على تنوّع المجموعات الدينيّة". كلام واضح، ينطوي على انتقاد صريح للدول التي تتعامل مع قضيّة النازحين السوريّين، وخصوصاً الأوروبيّة منها. لكن، ما هي خلفيّاته وتفسيراته والأسباب الموجبة لإطلاقه؟
أكّدت أوساط حكوميّة لبنانيّة متابعة للقضيّة لموقعنا أنّ ما أعلنه الوزير باسيل أمام نظيره شتاينماير، يكشف عن مسألة حسّاسة تتابعها وزارة الخارجيّة اللبنانيّة بدقّة منذ مدّة. وشرحت الأوساط التي طلبت عدم كشف هويّتها، أنّه منذ تفاقم أعداد النازحين السوريّين في لبنان، ومنذ اهتمام بعض الدول الأوروبيّة باستضافة أعداد محدودة من هؤلاء النازحين، لاحظت وزارة الخارجيّة في بيروت، أنّ ثمة معايير معيّنة تضعها سلطات بعض الدول الأوروبيّة المضيفة، لاختيار النازحين الذين يقبلون انتقالهم من لبنان إلى بلدانهم. ولاحظت أنّ هناك معيارين دائمين لعمليّة الغربلة والاختيار هذه. أوّلاً المستوى التعليميّ أو الثقافيّ، وثانياً الانتماء الدينيّ. فالأوروبيّون يعمدون إلى إعطاء أفضليّة واضحة إلى الأكثر تعلّماً، كما للسوريّين المسيحيّين. هكذا تشير الأوساط الحكوميّة اللبنانيّة، إلى أنّه على الرغم من نفي السلطات الأوروبيّة لهذا التمييز، وعلى الرغم من إصرارها في المفاوضات مع السلطات اللبنانيّة، على أنّها لا تعتمد أيّ معايير تمييزيّة في اختيار النازحين الذين تقبل استضافتهم على أراضيها. حاولت المونيتور الاتصال بشتاينماير عن هذه المسألة، إلا أنه رفض التعليق. غير أنّ وجهة النظر الرسميّة اللبنانيّة مختلفة. وهذا هو تحديداً السبب الذي جعل الوزير باسيل يثير هذه المسألة علناً في كلمته، مشيراً إلى "مواصفات معيّنة مثل الثقافة والدين".
وتتابع الأوسط الحكوميّة اللبنانيّة شارحة لموقعنا، بأنّ المسألة بالنسبة إلى لبنان مبدئيّة أوّلاً، بمعنى أنّه لا يمكن التعامل مع مأساة إنسانيّة كبرى مثل مأساة النازحين السوريّين، وفق أيّ معايير تمييزيّة. فللمقارنة مثلاً، ماذا لو وقعت كارثة في بلد غربيّ، وتعاطت سلطاته مع قضيّة إنقاذ منكوبيها من الموت، وفق معيار إنقاذ الجامعيّين أوّلاً، أو إنقاذ أتباع دين معيّن قبل سواهم؟! طبعاً، إنّ مجرّد التفكير الافتراضيّ في هذا الشكل، كافٍ لإثارة كلّ مشاعر الرفض والتنديد والاستنكار والشجب، فيما هذا ما يحصل فعلاً في لبنان في قضيّة النازحين السوريّين إليه، كما تؤكّد الأوساط الحكوميّة اللبنانيّة.
أكثر من ذلك، تتابع هذه الأوساط، فاعتماد المعيار التعليميّ في اختيار "المحظوظين"، يكشف بحسب اعتقاد السلطات اللبنانيّة عن أمر آخر لا يقل خطورة على لبنان، إذ أنّ سلوكاً كهذا يشير إلى أنّ السلطات الأوروبيّة التي تختار هؤلاء النازحين لاستضافتهم في بلادها، لا تتعامل معهم على أنّهم في حالة نزوح موقّت، ولا تتصرّف على قاعدة أنّها تقوم بواجب إنسانيّ لفترة من الزمن، سيعود بعدها هؤلاء إلى بلادهم الأصليّة، بل إنّ التركيز على المستوى التعليميّ والمهنيّ، يكشف عن أنّ هذه السلطات الأوروبيّة، إنّما تختار من بين المليون ونصف نازح سوريّ في لبنان، من تعتقد أنّ اقتصادها يحتاج إليه، ومن ترى فيه نموذجاً للمهاجر الدائم إليها، والقادر على الإسهام في برنامج الهجرة الذي تضعه تلك البلدان. وبالتالي فإنّ سلوكاً كهذا يعني في شكل من الأشكال، أنّ النازحين الآخرين والباقين في لبنان، قد لا يكونون أمام عودة حتميّة إلى سوريا، وأنّ الغرب يتصرّف فعليّاً على هذا الأساس: يجذب راهناً من يعتبرهم "النخبة" التي يحتاج إليها، ثمّ يترك الباقين عبئاً على بلدان الجوار السوريّ.
AL-MONITOR All-Access gives you unlimited access to all our journalism, the full Daily Briefing, exclusive interviews, premium newsletters, and live events — for less than $2/week.