تؤكّد معلومات موثوقة لموقعنا، أنّ زيارة قائد فيلق القدس الإيرانيّ الجنرال قاسم سليماني الأخيرة لبيروت، ليست الأولى، فالرّجل يقوم بزيارات شبه دوريّة للعاصمتين اللبنانيّة والسوريّة، يتشاور فيهما مع حلفاء طهران، ينسّق في السياسة والعسكر والأمن، بين هذين البلدين وبلاده. وإن كانت زيارته في 27 كانون الثاني الماضي و28 منه، حملت بجانبها العمليّ، بعداً شخصيّاً خاصّاً، ألا وهو تقديم "واجب التهنئة والتبريك" إلى عائلة مغنيّة، باستشهاد ولدها جهاد، في الغارة الاسرائيليّة على القنيطرة السوريّة في 18 كانون الثاني الماضي، إذ تقول المعلومات الموثوقة لموقعنا إنّ علاقة عائليّة وصداقة شخصيّة كانت تربط سليماني بوالد جهاد، أيّ عماد مغنيّة، وهو القائد العسكريّ والأمنيّ الرّاحل لـ"حزب الله"، الّذي اغتيل في انفجار في دمشق في 12 شباط من عام 2008. وإنّ الصداقة تلك استمرّت مع عائلته، وبالتّالي مع ابنه الثاني جهاد، ذلك أنّ هذا الشاب لم يكن ضمن الموكب الّذي استهدفته الغارة الاسرائيليّة المذكورة، بصفته مجرّد عنصر مواكبة أو مرافقة، فجهاد الّذي كان في التاسعة عشرة من عمره عند اغتيال والده، وقع عليه اختيار عائلته، ليكمل نضالها في صفوف "حزب الله"، وليتابع الدور القياديّ الّذي قام به والده في هذا السياق.
ورغم صغر سنّه، كان جهاد منذ أعوام موضع إعداد لدور قياديّ مميّز ضمن صفوف هذا الحزب، وهو اعتبر مؤهّلاً لذلك إلى حدّ كبير، بحكم البيئة التي عاش فيها. فوالده عماد مغنيّة، الصورة الأسطوريّة لهذا التّنظيم العسكريّ الصلب، وخاله هو مصطفى بدر الدين، اليدّ اليمنى لمغنيّة الرّاحل في قيادة الحزب العسكريّة والأمنيّة، والّذي يحكى في الهمس والسرّ أنّه تبوّأ المنصب نفسه بعد اغتيال مغنيّة الأب، علماً أنّ بدر الدين هو الشخص نفسه الّذي أصدرت المحكمة الخاصّة بلبنان قراراً ظنيّاً في حقّه مع أربعة أشخاص آخرين، للاشتباه في تورّطهم في جريمة اغتيال رئيس حكومة لبنان السابق رفيق الحريري، في 14 شباط من عام 2005. وهكذا يفهم وجود الشاب جهاد مغنيّة، ابن الأعوام الخمسة والعشرين، في ذلك الموكب الّذي استهدفته الغارة الاسرائيليّة، بجانب جنرال إيرانيّ آخر، وهو محمّد علي الله دادي، الّذي هو فعليّاً نائب سليماني لشؤون العمليّات السوريّة، كما تؤكّد المعلومات نفسها لموقعنا، إضافة إلى قياديّ كبير آخر من "حزب الله"، هو محمّد عيسى المعروف باسم "أبو عيسى".
وهذا ما يفتح البحث على الجانب الآخر من زيارة سليماني لبيروت، كما على السؤال عمّا كان يفعله الموكب المشترك بين جنرال من الحرس الثوريّ الإيرانيّ وبين عناصر من "حزب الله"، على بعد نحو ستة كيلومترات من الحدود السوريّة - الاسرائيليّة. منذ أكثر من سنة، ومع سيطرة مسلّحي جبهة النّصرة على المنطقة الحدوديّة الجنوبيّة من سوريا، وخصوصاً مع ظهور التّقارير الصحافيّة المتكرّرة عن قيام أشكال من التّعاون بين تلك المجموعات وبين الداخل الاسرائيليّ، صارت تلك المنطقة تحت المجهر المزدوج لكلّ من "حزب الله" والجهات الإيرانيّة المتابعة للوضع في سوريا، وذلك لثلاثة أسباب على الأقلّ:
أوّلاً، لأنّ المنطقة الّتي يسيطر عليها مسلّحو النّصرة في الجنوب السوريّ، لا تبعد أكثر من عشرين كيلومتراً عن طريق بيروت دمشق، في بعض نقاطها داخل الأراضي السوريّة. كما أنّها تشكّل خاصرة رخوة للعاصمة السوريّة نفسها، ذلك أنّ أيّ توغّل أو خرق عسكريّ ينجح هؤلاء المسلّحون في تنفيذه من جهة القنيطرة السوريّة، في اتّجاه الشمال أو الشمال الشرقي ، لناحية غوطة ، يمكن أن يؤدّي إلى انهيار كبير في موازين القوى العسكريّة، على صعيد الحرب الدائرة في سوريا منذ نحو أربعة أعوام، إذ يمكن لأيّ خطوة ميدانيّة من هذا النوع، أن تسمح لمسلّحي النّصرة أو غيرها من المجموعات الإرهابيّة، بتحقيق هدفين كبيرين: أوّلاً، قطع الطريق بين بيروت ودمشق، بما يعنيه من خطّ إمداد لوجستيّ كامل لـ"حزب الله" في سوريا، كما للجيش السوريّ. وثانياً، تهديد دمشق جديّاً، للمرّة الأولى، منذ اندلاع الحرب هناك، وهذان هدفان يمثّلان بالنّسبة إلى "حزب الله" خطرين كبيرين، لا يمكنه التّساهل حيالهما أو الاستخفاف بإمكان تحقّقهما.
AL-MONITOR All-Access gives you unlimited access to all our journalism, the full Daily Briefing, exclusive interviews, premium newsletters, and live events — for less than $2/week.