عشية الحرب العالمية الثانية، كان نحو ثلاثة ملايين يهودي يعيشون في بولندا، حيث كانوا يشكّلون بين 10 إلى 20 في المئة من السكان. كانت الجالية اليهودية حيوية ومبدعة ومزدهرة، وكانت تُصدر نحو 600 صحيفة يومية باللغتَين العبرية والييدية. كانت تملك 16 شركة تعمل في مجال الإنتاج المسرحي فضلاً عن عدد لا يُحصى من الأحزاب السياسية التي تغطّي الطيف السياسي بكامله من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار. كانت الجالية اليهودية في بولندا الأكبر والأكثر تنوعاً وحيوية وإبداعاً بين الجاليات اليهودية في أوروبا. باستثناء الجالية اليهودية الأميركية التي اكتسبت الجزء الأكبر من نفوذها بعد الحرب، يمكن القول بأن يهود بولندا كانوا يشكّلون الجالية الأكبر والأكثر نفوذاً وعظمة على امتداد تاريخ حياة اليهود في الشتات. عاش يهود بولندا حياة مكتملة المقوّمات. عدد كبير من الخصائص الثقافية للعالم اليهودي ظهر وازدهر في بولندا، بما في ذلك مصطلح shtetl الشهير، في إشارة إلى البلدات الهيودية الصغيرة في أوروبا الشرقية.
ثم وصل النازيون. بحلول نهاية الحرب العالمية الثانية، انخفض عدد اليهود في بولندا إلى بضع عشرات الآلاف الذين لجأوا إلى الغابات ومخابئ أخرى حيث تمكّنوا من البقاء على قيد الحياة، فضلاً عن 250000 كانوا قد فرّوا إلى المناطق الخاضعة للسيطرة الروسية ثم عادوا إلى بولندا. قُتِل نحو 90 في المئة من أبناء هذه الجالية في المحرقة وفي معسكرات الاعتقال. يصعب أن نصف كيف كانت أحوال يهود بولندا لتبدو اليوم لو أن المحرقة لم تقع. ويصعب أن نصف كيف كانت بولندا لتبدو اليوم لو أن يهودها لم يؤخَذوا منها فضلاً عن مناطق أخرى تتألّف من أقليات إثنية أخرى. قال لي جاسيك شودوروفيتش، السفير البولندي في إسرائيل، في حديث دار بيننا في منتصف تشرين الأول/أكتوبر الجاري: "كانت بولندا بلداً متعدّد الجنسيات والإثنيات والثقافات والأديان، لكن الحرب العالمية الثانية سلبت منّا كل هذه الصفات". خسِر الشعب البولندي الجالية اليهودية التي أبادها النازيون والمتواطئون معهم (وبينهم عدد كبير من البولنديين). وخسر أيضاً الأقليتَين الألمانية والأوكرانية اللتين ضُمَّت كل منهما من جديد إلى بلدها. وهكذا بعدما كانت بولندا مختلطة ومتنوّعة، تحوّلت دولة أحادية الطابع تتألف حصراً من البولنديين. يحب بعضهم أن تسلك الأمور هذا المنحى. لكن يبدو أن البولنديين يفتقدون يهودهم.
في 27 تشرين الأول/أكتوبر الجاري، حطّت الطائرة الخاصة العائدة للرئيس البولندي برونيسلو كوموروفسكي في إسرائيل. وقد أرسلها إلى هناك، في لفتة خاصة من حكومته، لنقل الرئيس الإسرائيلي رؤوفين ريفلين، إلى جانب وفد كبير من الشخصيات والمحيطين به، للقيام بزيارة إلى وارسو. كانت هذه أول زيارة يقوم بها ريفلين إلى الخارج منذ تسلّمه منصب الرئاسة. وقد كان جدول مواعيده حافلاً جداً هذا الأسبوع. ففي 27 تشرين الأول/أكتوبر الجاري، افتتح الكنيست الإسرائيلي دورته الشتوية بخطاب خاص ألقاه ريفلين، ولو أن الرئيس سافر على متن طائرة تجارية عادية، لما تمكّن من الوصول في الوقت المحدّد لحضور تدشين المتحف اليهودي الجديد في العاصمة البولندية في 28 تشرين الأول/أكتوبر الجاري. وقد بادر الرئيس البولندي إلى إرسال طائرته الخاصة لمساعدة نظيره الإسرائيلي على الوفاء بالتزاماته في جدول مواعيده المزدحم.
واحد من أصل خمسة إسرائيليين مرتبط، بطريقة من الطرق، بالثقافة اليهودية البولندية - سواء من خلال صلة القربى أو الزواج أو بعض الروابط الشخصية الأخرى. وُلد ديفيد بن غوريون، الأب المؤسس لإسرائيل ورئيس وزرائها الأول، في بولندا. وكذلك الأمر بالنسبة إلى الرئيس السابق شمعون بيريز الذي يجسّد "البولندي الأبرز" في الثقافة الإسرائيلية. والبولندي الشهير الآخر هو رئيس الوزراء الراحل ميناحيم بيغن. فعلى الرغم من أنه وُلِد في روسيا البيضاء (بلاروسيا)، يُعتبَر بيغن بولندياً رفيع المقام نظراً إلى أنه تطوّع في "جيش أندرز" الذي كان عبارة عن قوة عسكرية بولندية منفيّة حاربت إلى جانب القوات الحليفة ضد النازيين على الجبهة الشرقية خلال الحرب العالمية الثانية. ما عدا رؤساء الوزراء المولودين في إسرائيل، تقريباً كل الأشخاص الآخرين الذين تسلّموا رئاسة الوزراء وُلدوا في بولندا أو جوارها، ونشأوا في هذه الثقافة اليهودية الغنية.
AL-MONITOR All-Access gives you unlimited access to all our journalism, the full Daily Briefing, exclusive interviews, premium newsletters, and live events — for less than $2/week.