قبل مغيب الشّمس بقليل، عدد كبير من المواطنين يصطفون بانتظام، بالقرب من إحدى الجمعيّات الخيريّة التي أعلنت تقديمها وجبات الطّعام اليوميّة في شهر رمضان إلى العائلات الفقيرة، التي لا معين لها أو رجل. وفي الطريق إلى هناك لا يوجد الكثير من النّاس، كما درجت العادة في السّنوات السّابقة خلال أيّام شهر رمضان، لأنّ منهم من هجر هذه الأحياء، ومنهم من قتل، ومنهم من جرح بفعل البراميل المتفجّرة التي تلقيها كلّ يوم طائرات النّظام السوريّ، ولكن تتمّ مصادفة عدد بسيط من العربات المخصّصة للخضار والخبز، وبعض المحلاّت التجاريّة التي تحتوي القليل من البضائع والسلع، التي تجمع بين موادّ التّنظيف والدخّان وألعاب الأطفال أو تحتوي بعض المحروقات.
تدخل حلب هذه الأيّام أجواء ما قبل الحصار، إذ تتقدّم قوّات النّظام بريّاً لتقفل مداخلها عن أحياء المعارضة السوريّة ومناطقها، وقد تعرّضت للدمار الكبير والهجرة والنزوح في شكل مخيف، حتى أنّك تكاد تمشي في الشوارع ليلاً فتخال نفسك في مدينة أشباح أو في مدينة أصاب أهلها الوباء القاتل فماتوا جميعاً.
وبين اللحظة والأخرى يسمع صوت في السماء يقترب في شكل مرعب، حتّى يكتشف النّاس أنّها طائرة مروحيّة للنّظام السوريّ، وبالتّأكيد ستلقي شيئاً، فيبدأون بالاختباء يميناً وشمالاً داخل الأبنية والمحلاّت، ويسمعون صوت رجل يصرخ بالنّاس فيقول: "لا تتجمّعوا في مكان واحد يا شباب، تفرّقوا تفرقوا"، وصوت آخر يصرخ وهو يركض: "يالطيف يالطيف".
ترمي الطائرة بحمولتها المميتة وتنفجر بعيداً عن أماكن تواجد الناس، وتطرح أسئلة بين المارّة: أين؟ من يوجد هناك؟ ثمّ سرعان ما يعودون ليأخذوا حصّتهم من الطعام، وينصرفوا قبل آذان المغرب.
AL-MONITOR All-Access gives you unlimited access to all our journalism, the full Daily Briefing, exclusive interviews, premium newsletters, and live events — for less than $2/week.