مستكملاً حديثه الطويل إلى "المونيتور"، يقول المسؤول السوري في دمشق [المذكور في المقال السابق] إن الأساس يبقى الواقع على الأرض وموازين القوى العسكريّة والتطوّرات الميدانيّة. وفي هذا المجال يؤكد هذا المسؤول الحكومي الذي فضّل عدم الكشف عن هويّته، على أن السلطات السوريّة مرتاحة جداً ومطمئنة.
يبدأ المسؤول بعرض لخارطة الجغرافيا السوريّة. فيقول "كل الخط الممتدّ من حدودنا الجنوبيّة حتى حلب بات تحت سيطرة القوات السوريّة. المسلحون أصيبوا بضربات ساحقة في حمص ومنطقة القلمون. اليوم في حلب، أي خبير عسكري يدرك معنى السيطرة على السجن المركزي، وكذلك على موقع الاستخبارات الجويّة في المدينة. والكل يسلّم بأن حلب باتت شبه ساقطة عسكرياً. طبعاً تنظيفها من المسلحين والإرهابيّين قد يقتضي وقتاً. لكن المعركة هناك بالمفهوم العسكري الميداني، قد حسمت وباتت نتائجها معلنة".
ونقول للمسؤول السوري: لكن يبدو أن معارضيكم قد قدّموا لكم خدمات كبيرة نتيجة سلوكهم وأخطائهم... فيبتسم قبل أن يجيب "بالتأكيد. يكفي إيراد أمرَين اثنَين: أولاً تعاونهم مع إسرائيل وانفتاحهم على أكثر من اتصال معها. وهو ما ساعدنا جداً في معركتنا الإعلاميّة في العالم العربي. ثانياً والأهم، سيطرة المجموعات التكفيريّة والإرهابيّة على تلك القوى بشكل كبير". نسأله: هل صحيح أنكم ساهمتم أنتم بذلك عبر إطلاق سراح السجناء الأصوليّين من أجل تسهيل تكوين تلك المجموعات؟ يردّ المسؤول السوري بهدوء، "الصحيح أن عدداً من الأصوليّين أطلق سراحه نتيجة مراسيم العفو عن السجناء التي أصدرتها القيادة في سوريا على مدى أعوام الفتنة. لكن طغيان التكفيريّين على المجموعات المسلحة وتطلعهم إلى السيطرة على سوريا، أمر سابق لأي تصرّف من قِبَلنا. لا تنسوا أن معركتنا مع هؤلاء التكفيريّين بدأت قبل أكثر من ثلاثين عاماً، ولم تندلع في العام 2011. ثم إن أول رسالة وجّهها زعيم تنظيم ’القاعدة‘ أيمن الظواهري معلناً حربه على سوريا، كانت في تموز/يوليو في العام 2011، أي قبل تحوّل الصراع عندنا إلى حروب عسكريّة مفتوحة. ومذ ذاك كان الظواهري واضحاً حين أعلن في رسالته المسجلة تلك، رفعه شعار ’مجد الشرق يبدأ من دمشق‘". يضيف "طبعاً عملنا نحن بكل الوسائل الإعلاميّة والسياسيّة والدبلوماسيّة على تظهير الخطر التكفيري علينا وعلى كل محيطنا والعالم. وذلك في سياق ردّنا الطبيعي والمشروع على المخطط الإرهابي. يكفي أن تقرأ في رسالة زعيم ’القاعدة‘ الظواهري إلى إحدى المجموعات التكفيريّة التي اختلف معها وهي ’دولة الإسلام في العراق والشام‘ (داعش)، حين يقول لها إن أحد أسباب الخلاف معها هو خروجها إلى العلن، فيما تنظيم القاعدة كان يريد إبقاء معركته سريّة، حتى يقوى ويسيطر. هذا دليل على أن أول وسيلة لمحاربتهم هي تظهير صورتهم الحقيقيّة وإبراز وجودهم وخطرهم، وهذا ما فعلناه".
يتابع المسؤول السوري "المهم الآن أن الحرب بين هؤلاء باتت شرسة جداً، بخاصة بعدما أصبح الانقسام بين مجموعاتهم تعبيراً عن الانقسام بين الدول التي كانت ترعى الإرهابيّين في سوريا وتموّلهم. في معركة واحدة بين فصيلَين منهم، ’داعش‘ و’النصرة‘ وقع نحو 1400 قتيل. واللافت في هذا المجال، أنهم هم أنفسهم باتوا يدركون مصيرهم وإلى أين يتّجهون. ليست مصادفة في هذا السياق أن الظواهري نفسه وفي رسالة وجهها إلى المجموعات التكفيريّة المتناحرة في الأسبوع الأول من نيسان/أبريل الماضي، وصف قيام بعض مسلحي ’داعش‘ بقتل أحد مسؤولي تنظيم ’أحرار الشام‘ بأنه جريمة كبيرة. لكن الأهم أن الظواهري شبّه ذلك بحادثة إقدام ’الجماعة الإسلاميّة المقاتلة‘ في الجزائر على اغتيال اثنَين من الجهاديّين الإسلاميّين الآخرين في العام 1995. ليستنتج الظواهري في رسالته تلك أن ما ارتكبته ’الجماعة‘ في الجزائر يومها كان: ’الموت المعنوي لتلك الجماعة، ثم تبعه موتها المادي‘". يبتسم المسؤول السوري لمجرّد فكرة مقارنة الظواهري بين ما حصل في الجزائر قبل نحو عقدَين وما يحصل في سوريا الآن. ويقول "قصد زعيم ’القاعدة‘ من هذه المقارنة تهديد الإرهابيّين الخارجين عن أمره بالقتل، كما فعلوا في الجزائر. لكنه لم ينتبه إلى أنه توقّع لحربه في سوريا مصيراً مماثلاً لما انتهت إليه حربهم في الجزائر. هناك كانت النتيجة هزيمة كل الإرهابيّين والتكفيريّين وانتصار الدولة واستمرارها حتى اليوم، وهذا ما سيحصل في سوريا نفسها".
AL-MONITOR All-Access gives you unlimited access to all our journalism, the full Daily Briefing, exclusive interviews, premium newsletters, and live events — for less than $2/week.