لم يكن ينقص غير توجّه إسرائيل إلى مجلس الأمن الدولي والتقدّم بشكوى ضدّ لبنان أمام المنظمة الدوليّة، ليتأكد حزب الله من صحة حساباته ودقّة توقعاته. هذا ما تقرأه لـ"المونيتور" جهات مقرّبة من حزب الله، كاشفة طبيعة تلك الحسابات وأهدافها.
تبدأ هذه الجهات بسؤال: لماذا كشف الأمين العام لحزب الله السيّد حسن نصرالله في مقابلة صحافيّة له في السابع من نيسان/أبريل الماضي في بيروت، عن أن العبوة التي استهدفت مركزاً للجيش الإسرائيلي في مزارع شبعا المحتلة في 14 آذار/مارس الماضي هي من تنفيذ حزب الله؟ وتقول الجهات المقرّبة من الحزب، إن هذه المسألة بدأت مع دخول عناصر حزب الله الحرب في سوريا إلى جانب قوات النظام، في مواجهة القوى الأصوليّة والتكفيريّة هناك. منذ ذلك الحين، كان حزب الله حريصاً على معالجة أكثر من ناحية من الانعكاسات السلبيّة لذلك التورّط. أولاً، عدم إعطاء أي انطباع لجمهوره وقواعده بأنه حوّل وجهة "القضيّة المركزيّة" من الجنوب إلى الشمال. ثانياً، توجيه رسائل دائمة إلى إسرائيل، مفادها أن القوى المشاركة في القتال في سوريا ليست من العديد الإستراتيجي المخصّص لمواجهة الإسرائيليّين في جنوب لبنان. وذلك فضلاً عن حاجته إلى تكوين تلك الصورة الواثقة، عن أن حزب الله يملك من الإمكانات الماديّة والبشريّة ما يمكّنه من خوض أكثر من معركة ومواجهة في شكل متزامن، من دون أن تنتقص قوته في أي مكان كان.
بهذا المنطق بالذات، وبعد نحو شهرَين على سيطرة مقاتلي حزب الله على بلدة القصير السوريّة بالقرب من حمص في الخامس من حزيران/يونيو 2013، فوجئت دوريّة إسرائيليّة متسللة إلى داخل الأراضي اللبنانيّة في منطقة اللبونة القريبة من البحر ليل السابع من آب/أغسطس 2013، بتفجير عبوتَين استهدفتاها. عمليّة كان واضحاً أنها من توقيع حزب الله، على الرغم من صمته الإعلامي حيالها طيلة ثمانية أشهر. وفي السياق نفسه، وفيما مقاتلو حزب الله مشغولون في معارك منطقة القلمون السوريّة في الشهرَين الماضيَين، بدا أن إسرائيل حاولت جسّ نبض الحزب مجدداً. فأغارت طائراتها على موقع له بالقرب من الحدود مع سوريا في بلدة جنتا في البقاع شرق لبنان، وذلك ليل 24 شباط/فبراير الماضي. غارة بدت وكأنها محاولة إسرائيليّة لتغيير قواعد الاشتباك السائدة مع حزب الله منذ حرب تموز/يوليو في العام 2006 وصدور قرار مجلس الأمن الرقم 1701 في 13 آب/أغسطس من العام نفسه. غير أن حزب الله أعلن في اليوم التالي بأن غارة جنتا لن تمرّ من دون ردّ من قبله، إلى أن كانت عبوة شبعا في 14 آذار/مارس الماضي بعد أقل من أسبوع على سيطرة مقاتلي حزب الله أيضاً على بلدة يبرود السوريّة. أما لماذا قرّر حزب الله الآن، وتحديداً على هذا المستوى أي على لسان السيّد نصرالله، تبنّي عمليّة اللبونة [بعبوتَين] قبل ثمانية أشهر وعمليّة شبعا قبل نحو شهر، فهو ما تربطه الجهات القريبة من الحزب بسلسلة أحداث أمّنت الاطمئنان الكافي لدى قيادة حزب الله، بما يسمح لها بتبنّي العمليتَين علناً. وتشرح الجهات نفسها أن هذه الأحداث يمكن عرضها كالآتي:
أولاً، عمليّة شبعا المشار إليها من دون أن يعقبها أي رد إسرائيلي كبير. ثانياً، جرح أربعة جنود إسرائيليّين على الأقل في عبوة أخرى استهدفت دوريّة للجيش الإسرائيلي، بعد أربعة أيام فقط على عبوة شبعا في 18 آذار/مارس الماضي، لكن هذه المرّة في الجولان السوري المحتل. وهنا تكشف الجهات المقرّبة من حزب الله لـ"المونيتور" أن انفجار الجولان شهد استخدام سلاح جديد، حمل توقيعاً واضحاً من أصحابه ولو ظلت الحادثة برمّتها من دون أي تبنّ لمسؤوليتها، نظراً لوقوعها بعيداً من أي أرض لبنانيّة محرّرة أو محتلة. وثالثاً، تمكُّن الفصائل الفلسطينيّة الرافضة لمسار التسوية من إطلاق عشرات الصواريخ على إسرائيل من مناطق مختلفة من قطاع غزّة، في شكل متزامن مع عبوتَي شبعا والجولان. هكذا بدا واضحاً أن ثمّة خيطاً واحداً يربط بين التطورات الثلاثة. بمعنى أن حزب الله أوصل رسالة إلى إسرائيل مفادها أن أي محاولة لتغيير قواعد الاشتباك في لبنان، لن تكون محصورة بالأراضي اللبنانيّة ولن تكون مقتصرة على الجبهة اللبنانيّة وحدها.
AL-MONITOR All-Access gives you unlimited access to all our journalism, the full Daily Briefing, exclusive interviews, premium newsletters, and live events — for less than $2/week.