مهما بلغ حجم الإنفاق السعودي على حملات العلاقات العامة، غالب الظن أن اسم السعوديّة سيبقى مرتبطاً، في المستقبل المنظور، بتصدير الفكر السلفي-الوهابي المتشدّد. فتقليدها الديني متّهم بتشجيع الإرهاب ودَفْع المجتمعات العربيّة نحو التشدّد وتأجيج الصراع المذهبي وتوسيع هوّة التمييز على أساس الجندر. ويُحمَّل نظامها التعليمي الديني وأموالها النفطيّة مسؤوليّة مجموعة كبيرة من النزاعات والمواجهات في مختلف أنحاء المنطقة العربيّة وفي خارجها. ومن حين إلى آخر تضفي الروايات عن النساء السعوديات الاستثنائيات إشراقةً على صورة البلاد القاتمة، لكن هذه الروايات لا تدوم طويلاً. فكلما حاولت الحكومة تلميع صورة البلاد، تعزَّز الانطباع بأنه مجرد مجهود مخادع والهدف منه هو الاستهلاك العام ليس إلا.
بيد أن أملاً جديداً يظهر لدى جيل جديد شاب وشبه مغمور من الكتّاب الذين يتحدّون المبادئ الأساسيّة للتقليد الديني السعودي - عنيت الفكر السلفي المسيطر. فهم يقدّمون تفسيرات تعيد النظر في الأفكار السائدة وتعد ببثّ التعدّدية في النظرة الأحاديّة إلى العالم التي لطالما سيطر عليها القبول والإذعان بدلاً من التفنيد والتنافس. وقد اكتسب هؤلاء الكتّاب الزخم بدفع من الأحداث التي شهدها العالم العربي في خلال الأعوام الثلاثة الأخيرة، وتجاوبوا مع التحدّيات الناجمة عن تبدّل الخريطة السياسيّة عبر وضع مناشير وكتب يعبّرون فيها عن تفسيرات جديدة لدور الإسلام في المجتمع المعاصر. ليسوا ناشطين في المجال العام، لكن أفكارهم تنتشر وسط جمهور واسع، بفضل الإعلام الجديد. وهم يُصدرون كتبهم في بيروت حيث أنشئت دار نشر مملوكة من جهات سعوديّة. بعض هؤلاء الكتّاب تدرّجوا في مجال الدراسات الدينيّة، في حين أن بعضهم الآخر يطمحون إلى دخول عالم الأكاديميا والصحافة.
للكتّاب السعوديّين الجدد قضيّة فكريّة مشتركة تقوم في شكل أساسي على تفكيك الجذور الدينيّة للحكم السلطوي. يدركون أنه يمكن تبرير القمع في ظل الحكم العلماني والديني على السواء، لكن في حالة السعوديّة، يؤمّن الدين غطاء ضرورياً جداً للممارسات القمعيّة التي تتراوح من القيود على حريّة التعبير والمجتمع المدني وصولاً إلى غياب التمثيل السياسي وتفشّي الفساد والحكم الاستبدادي. لا يريد هؤلاء الكتّاب قطيعة مع الإسلام، إذ يحافظون على التزامهم بتعاليمه وممارساته، لكنهم يتردّدون في المناداة بأن "الإسلام هو الحلّ". بل يدعون بدلاً من ذلك إلى شيء مختلف، شيء أكثر جذريّة من وجهة نظر الحكومات القمعيّة.
يرى هؤلاء السعوديّون الحلّ في المجتمع - أي الناس بتنوّعهم ووحدتهم. أحد هؤلاء الكتّاب عبدالله المالكي، هو باحث شاب من الحجاز يفضّل شعار "الأمّة هي الحلّ". فهو على يقين من أنه لا يمكن إكراه الأمة بعدما أثبتت مؤخراً أنها قادرة على الانتفاض في وجه الاستبداد. والمالكي يدرك تماماً أن الدافع وراء الانتفاضات العربيّة لم يكن رغبة الشعب في تطهير الدين أو أسلمة المجتمع أو حظر الكحول أو السماح بتعدّد الزوجات بعد حظره (كما في تونس). فالشعوب لم تكن تريد مزيداً من الشعارات أو الممارسات الإسلاميّة. بل أرادت الكرامة والعدالة والحريّة.
AL-MONITOR All-Access gives you unlimited access to all our journalism, the full Daily Briefing, exclusive interviews, premium newsletters, and live events — for less than $2/week.