تمثل مدينة طرابلس عاصمة الشمال اللبناني نقطة الصدام التي تظهر بجلاء نوعيّة انعكاسات الأزمة السوريّة على لبنان. فمنذ اندلاع الأحداث في سوريا، تفاقم الوضع الأمني في طرابلس التي يقدّمها الواقع الديموغرافي اللبناني على أنها عاصمة الطائفة الإسلاميّة السنيّة اللبنانيّة.
وتحاكي ديموغرافيا طرابلس إلى حدّ بعيد وإن على نحو مصغّر، طبيعة الديموغرافيا السوريّة. فبينما يقطن طرابلس المدينة نحو أربعمائة ألف لبناني سنيّ، فإن أحد أحيائها الواقع على تلّ قليل الارتفاع يسمّى "جبل محسن" يقطنه بضع آلاف من المواطنين اللبنانيّين العلويّين. وهؤلاء يطلق عليهم اسم الطائفة 18 في لبنان، وهم بحقّ أقليّة في طرابلس السنيّة تماماً كما أن العلويّين السوريّين هم أقليّة في سوريا ذات الكثافة السكانيّة السنيّة الكبيرة.
ويوالي أهل جبل محسن نظام الرئيس بشار الأسد ويرفعون صوره في منازلهم فقيرة المظهر في الغالب، في حين أن أهالي المدينة (طرابلس) السنّة يرفعون أعلام الجيش السوري الحرّ وأعلام "جبهة النصرة" أيضاً ومؤخراً تلك الخاصة بـ"تنظيم القاعدة" و"داعش". فيبدو الانقسام في طرابلس اللبنانيّة على خلفيّة الأزمة السوريّة، نسخة طبق الأصل عن الانقسام الجاري في داخل سوريا. ويبلغ التطابق حدوداً أبعد أثراً، ذلك أنه في خلال الأشهر القليلة الماضية أصبح الاقتتال في داخل سوريا له تطبيقاته العمليّة في داخل طرابلس، حيث رفع تماس تبادل النار بين سكان جبل محسن العلوي وبين أبناء المدينة السنّة. كذلك، في داخل مناخ طرابلس السياسي السنّي، تراجعت القوى المدنيّة واليساريّة لتسود مكانها الجماعات السلفيّة المتطرّفة، وتحوّل أئمة المساجد أمراء بدل الزعماء السياسيّين التقليديّين والتاريخيّين الذين كانوا يقودون الشارع الطرابلسي السنّي على مدار عقود خلت. باختصار لقد انتقلت كلّ مظاهر ساحة المعارضة السوريّة السائدة في الشارع السنّي هناك، إلى ساحة طرابلس اللبنانيّة السنيّة. وفي الوقت نفسه أصبح علويّو جبل محسن أيضاً أشدّ عصبيّة في التعبير عن هويّتهم المذهبيّة، وأكثر ضراوة في الدفاع عنها ارتباطاً بما طرأ من شراسة في دفاع الأقليّة العلويّة السوريّة عن نفسها.
وكما أن الأرياف السوريّة المتحالفة مع الثورة لا تنفك تحاصر مدنها التي يسيطر عليهاالنظام، كذلك بدأت أرياف شمال طرابلس السنيّة الفقيرة (كمنطقة عكار) تمدّ السنّة من أهلها بالعديد دعماً لقتالها ضدّ جبل محسن المناصر للنظام السوري. ومع الوقت أصبح مقاتلو أرياف طرابلس هم القوة الوازنة في داخلها، ويحاولون المرّة تلو الأخرى كسر الخطوط الحمر باسم نصرة أهل السنّة، وذلك عبر تنفيذ هجمات لإسقاط جبل محسن العلوي المحاصر والذي لا يملك أهله إلا منفذاً من جهة واحدة يتّصل بمنطقة مسيحيّة يسيطر عليها سليمان فرنجيّة أحد أبرز حلفاء النظام السوري المسيحيّين في لبنان.
AL-MONITOR All-Access gives you unlimited access to all our journalism, the full Daily Briefing, exclusive interviews, premium newsletters, and live events — for less than $2/week.