سويسرا، ألمانيا، فرنسا، لوكسمبورغ، هولندا، النمسا، ليختنشتاين، بلجيكا، وإيطاليا، هي تسع دول أوروبية تتعاون بشكل وثيق وناجح من أجل حماية نهر الراين من التلوّث ومراقبة نوعية المياه وكثافة تدفقها لتأمين الاستخدام الأمثل لمياه النهر، الذي يغطي مساحة 200 ألف كيلومتر مربع وتصل مياهه إلى 20 مليون نسمة. هذا التعاون يتم عبر هيئات عديدة أبرزها اللجنة الدولية لحماية الراين(ICPR)، التي تأسست عام 1953 وتضم سويسرا وألمانيا وفرنسا ولوكسمبورغ وهولندا، وبالتنسيق مع المفوضية الأوروبية، ووفقاً لاتفاقية حماية نهر الراين التي وقعتها الدول الخمس المذكورة في 12 نيسان/ أبريل 1999.
تقدم الدول الأوروبية المتشاطئة لحوض الراين نموذجاً للتعاون الحضاري والسلمي برغم اختلافاتها العرقية واللغوية وخلافاتها السياسية والتاريخية. هذه هي الرسالة التي أرادت مبادرة "السلام الأزرق"، التي تديرها المجموعة البحثية الهندية (Strategic Foresight Group)، توجيهها إلى شعوب الشرق الأوسط، عبر تنظيمها رحلة إلى نهر الراين بين سويسرا وألمانيا شارك فيها سياسيون وخبراء وإعلاميون من تركيا والعراق ولبنان والأردن وسوريا ومصر والسعودية، شارك فيها مراسل المونيتور. الزيارة التي استضافتها الوكالة السويسرية للتنمية والتعاون ووزارة الخارجية السويسرية إمتدت بين 24 و27 سبتمبر/ أيلول الماضي وتوزعت بين زيارة منشآت لمراقبة مياه نهر الراين في سويسرا وألمانيا ولقاءات مع مسؤولين سويسريين وألمان شرحوا للوفد الزائر، الذي ضم نحو 35 مشاركاً، آليات عمل اللجان المحلية والدولية لحماية الراين بدءاً من المنبع في سويسرا وصولاً إلى المصب في بحر الشمال.
لا شك أن هذه التجربة الأوروبية في التعاون المائي والبيئي هي نموذج رائد جدير بالاقتداء في الشرق الأوسط ومناطق أخرى. وقد أثارت مداخلات المسؤولين والخبراء الأوروبيين إعجاب المشاركين وأعربوا عن رغبتهم وتطلعهم لاقتباس هذه التجربة من خلال إنشاء مجلس إقليمي للمياه في الشرق الأوسط، وتعزيز التعاون بين الدول المتشاطئة على أنهار المنطقة، وبشكل خاص نهرا دجلة والفرات، بدءاً من المشاركة في المعلومات عن كميات المياه المتدفقة وصولاً إلى مراقبة تلوّث المياه ونسبة تدفقها واحتمالات فيضانها، وانتهاء بالمشاركة العادلة لهذه المياه.
على الرغم من نجاح التجربة الأوروبية في التعاون والتشارك في نهر الراين، إلا أن تعميمها ونقلها إلى الشرق الأوسط دونه عقبات كثيرة، أولها وليس آخرها الصراعات السياسية بين دول المنطقة، والتي تجعل الحديث عن تعاون مائي نوعاً من الترف العلمي في ظل الصراعات السياسية والعسكرية والطائفية في المنطقة، وخصوصاً في سوريا والعراق، وامتداداتها إلى تركيا ولبنان والأردن، إضافة إلى الصراع العربي – الفلسطيني الذي يجعل أي حديث عن تعاون مائي بين إسرائيل والدول العربية أمراً عبثياً في ظل استمرار الاحتلال الإسرائيلي للأرا ضي الفلسطينية والسورية واللبنانية وعدم حل القضية الفلسطينية وقضية اللاجئين الفلسطينيين.
AL-MONITOR All-Access gives you unlimited access to all our journalism, the full Daily Briefing, exclusive interviews, premium newsletters, and live events — for less than $2/week.