بدت بلدة عبرا التي تُعدّ أحد أحياء مدينة صيدا (عاصمة جنوب لبنان) وكأنها قطعة من أفغانستان في عهد حركة طالبان. لقد أنشأ فيها الشيخ المتشدّد أحمد الأسير منذ أشهر عدّة، مربّعاً أمنياً حول مسجد بلال بن رباح الذي اتّخذ منه مقراً له ولجماعته.
وقصّة هذا الشيخ لا تختلف كثيراً في إطارها العام عن قصّة المئات من أمثاله الذين تصدّروا خلال السنوات الخمس الأخيرة مسرح الأحداث في العديد من الدول العربيّة. فصعود الحركة السلفيّة في العالم العربي مستفيدة من طفرة الثورات العربيّة وانهيار الحكم المركزي العسكري الذي سيطر على دوله لعقود خلت، جعل الساحة العربيّة تعجّ بظاهرة بروز مشايخ على نحو مفاجئ، يتحلّق حولهم العشرات من الممتلئين حماسة والمستعدّين إلى تقديم أرواحهم من أجل بسط حكم الإسلام على الأرض. وهذه الظواهر المعتمدة إيديولوجياً على محاكاة فترة السلف الصالح (أي مرحلة حياة صحابة الرسول محمّد)، بدأت تجد تعبيراتها الواضحة في لبنان، منذ بدء الأحداث في سوريا. وُيعتبَر أحمد الأسير أحد أبرز نماذجها. وبحسب ما كان متوقعاً، انفجر يوم الأحد الماضي 23 حزيران/يونيو الجاري الصراع العسكري المفتوح بين جماعة الأسير والجيش اللبناني، بعد أن كان الأخير قد حاول تحاشي هذه المواجهة إلى درجة جلبت عليه الانتقاد من قبل الإعلام اللبناني. ولكن الجيش يقول اليوم أن أحمد الأسير تجاوز الخطوط الحمر عندما قام عناصره من دون سبب بقتل ضابطَين على أحد حواجزه .
وتستهدف عمليات الجيش العسكريّة إنهاء حالة الأسير في صيدا، ولكن كلفة ذلك تبدو غالية. فبعد نحو 48 ساعة من القتال، فقد الجيش نحو 80 جندياً بين قتيل وجريح. ومقاتلو الأسير يتّخذون من المواطنين القاطنين في الأبنية المحيطة بمسجد بلال بن رباح دروعاً بشريّة ويمارسون من ورائهاعمليات القنص الهادفة إلى إعاقة محاولات تقدّم الجيش، ما يضطرّ الأخير إلى إبطاء عملياته.
وكلما طال أمد القتال، كلما سُجّلت تداعيات سياسيّة وأمنيّة له في مناطق لبنانيّة أخرى. فالجيش لا يقاتل انطلاقاً من أرض صلبة، بل في ظروف صعبة وتكاد تكون غير مناسبة. هو لا يتمتّع بقرار سياسي قوي يدعمه، فالحكومة اللبنانيّة في مرحلة تصريف أعمال، وهي منقسمة على أساس مذهبي وطائفي. والوزراء السنّة داخل الحكومة، يؤيّدون الآن الجيش ولكن في نطاق ألا يصل تأييدهم مرحلة استفزاز الشارع السنّي الذي قد ينقلب لمصلحة التطرّف في حال اتّسع نطاق الحرب مع الأسير، لتنضمّ إلى صيدا مناطق أخرى كطرابلس وبعض أحياء بيروت (الطريق الجديدة) والناعمة على الطريق الساحلي. وفي هذه المناطق كلها نجد حالات مشابهة لحالة الأسير. وتكمن الخشية في أن يؤدّي اتّساعها إلى تحويلها من معركة محدودة ضد حالة الأسير في صيدا، إلى معركة تحمل شعار مضلّل قوامه الدفاع عن الطائفة السنيّة. والمعروف أن لبنان بلد تستجيب فيه ديموغرافيّته المفرطة الحساسيّة المذهبيّة والطائفيّة، لمثل هذا النوع من الشعارات، بخاصة في ظروف الانقسام المذهبي الحاد الذي تشهده المنطقة .
AL-MONITOR All-Access gives you unlimited access to all our journalism, the full Daily Briefing, exclusive interviews, premium newsletters, and live events — for less than $2/week.