تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

Tripoli: A Cocktail of Fundamentalism

بعد ظهر يوم الأربعاء الماضي، كان جنديان من الجيش اللبناني ينقلان مريضاً إلى المستشفى الحكومي في مدينة طرابلس شمال لبنان. اعترضهم مسلحون من أبناء المدينة، رافضين السماح لهم القيام بذلك. دقائق قليلة وانتهى الإشكال بحصيلة قتيل و3 جرحى. لماذا؟ لأن الجنديين والمريض من أبناء جبل محسن، أو الحي العلوي في طرابلس. فيما المستشفى تقع في الجانب السني من المدينة. قصة تختصر معاناة مئات الآلاف من الناس، لا بل تشكل في جوهرها مختصراً للأزمة السورية، وتهديداً جدياً كل لحظة، بتفجير لبنان.

Lebanese Army soldiers deploy after gunmen ambushed the convoy of Lebanese Minister of Sports and Youth Faisal Karami in the northern city of Tripoli January 18, 2013. Gunmen ambushed the convoy in Tripoli on Friday, wounding three people and riddling a security patrol car with bullets, medics and witnesses said. Karami, appeared to be unhurt, the medics said. REUTERS/Mohamed Azakir (LEBANON - Tags: POLITICS CIVIL UNREST) - RTR3CLYJ

كل عوامل التفجير المذهبية والتاريخية والاقتصادية والاجتماعية، تتجمع في مدينة طرابلس. ثاني مدن بلد الأرز سكاناً بعد بيروت، وعاصمة شمال لبنان، تبدو وكأنها تجسيد فعلي لأصل اسمها اليوناني "تريبولي"، أو المدينة الثلاثية. فهي مشلعة اليوم بين نطاقها العلوي الضيق، وبين انتشارها السني الأوسع، وبين الاثنين خط تماس دائم، يتحول منذ نحو 4 أعوام ساحة حرب فعلية مع غروب كل شمس. ومنذ عامين يمكن مقاربة أزمة طرابلس من زاوية أخرى، على أنها اختصار دقيق ومعبر جداً للحرب الأهلية السورية: أقلية علوية، وأكثرية سنية، وحرب ثأر ورايات دينية وأصولية عمرها عقود طويلة، لا بل قرون. وقد تبدو أكثر المصادفات غرابة في هذا المجال، أن الشارع الفاصل بين الحي العلوي والمنطقة السنية من المدينة، يحمل اسم "شارع سوريا". تماماً كما كان الشارع الذي فصل بين المنطقة المسلمة وتلك المسيحية من لبنان، طيلة 15 عاماً من الحرب الأهلية اللبنانية، يحمل اسم "طريق الشام". مصادفات كأن لها وظيفة دلالية ومعرفية ضرورية، حيث تمحى الذاكرة.

هكذا هي طرابلس. المدينة الوحيدة في لبنان، وربما في كل المنطقة، التي لا تزال تحيي سنوياً، ذكرى فتحها من قبل المماليك، أصحاب العقيدة السنية المتشددة، وطرد الصليبيين منها مطلع القرن الرابع عشر. والمدينة التي شهدت تأسيس كل الحركات الصوفية والسلفية الدعوية في منطقة الشرق الأدنى. منها انتقلت تلك المذاهب إلى تركيا وحتى إلى شمال أفريقيا. والمدينة الوحيدة التي يضرب البؤس عميقاً في أهلها. حتى أظهرت استطلاعات رسمية أن نحو ثلثي سكانها يعيشون دون مستوى خط الفقر...

توليفة جاهزة للانفجار إذن: فقر، وأصولية دينية، وإهمال حكومي، وذاكرة حية من أخبار الغزوات والحروب والمطلقات الدينية. لم يكن ينقصها إلا الحرب السورية القريبة منها، هي من تحمل عُرفاً اسم "طرابلس الشام"، تمييزاً لها عن "طرابلس الغرب" عاصمة ليبيا، لتشكل حرب الشام الصاعق الضروري لاندلاع هذا الكوكتيل الطرابلسي المتفجر.

علماً أن المشهد الحالي نفسه عاشته طرابلس أثناء الحرب السورية السابقة أواخر السبعينات وحتى منتصف الثمانينات. فبعد انتفاضة الإخوان المسلمين في سوريا سنة 1979، تفاعلت طرابلس مع الحدث الشامي. وتحركت فيها النزعات السنية الأصولية. أكانت من أبنائها أم من الآتين إليها من حمص وحماه. وما كادت انتفاضة الإخوانيين تنهزم في سوريا بعد العام 1983، حتى كان رد الفعل في طرابلس، إعلان إمارات أصولية سنية في كل شارع وحي من أحيائها. إمارات حاولت الاتكال على دعم فلسطيني لها، في مواجهة نظام حافظ الأسد، الذي كان جيشه متمركزاً يومها في غالبية المناطق اللبنانية. لكن بعد حسم الأسد لمعركته في حمص وحماه، وبعد انكسار ياسر عرفات في بيروت نتيجة الاجتياح الاسرائيلي لكل لبنان في حزيران 1982، تفرغ الأسد لطرابلس، فدخلتها قواته، وحسمت المعركة فيها، بعد سلسلة دامية من المواجهات والتصفيات، بين قواته وبين الأصوليين السنة، لا تزال ذكراها حية اليوم، لا بل هي تنبعث اليوم فاعلة أكثر من اي حساب آخر.

SUBSCRIBER EXCLUSIVE

Continue reading this exclusive analysis

Original reporting and analysis unavailable elsewhere. Subscribe to AL-MONITOR to read this story and access everything we publish