وبينما كان يتحدث إلى جانب المحافظ وكبار قيادات الأجهزة الأمنية، عُلقت خلفه لافتة كبيرة كتب عليها "مؤسسات جنين ومنظمات المجتمع المدني تدعم قرار الرئيس عباس بهدف تطبيق سيادة القانون والأمن والنظام والسلم الأهلي".
وأضاف مصطفى: "كفى استرضاء ووساطة، وصلنا إلى مرحلة أصبح فيها الصمت أكثر من الإهمال، ولا نريد أن نكون من المقصرين".
وقد جاءت هذه الحملة الأمنية الصارمة على مخيم جنين بعد ما وصفه بعض القادة والسكان المحليين بأنه غياب لحكم القانون والمساءلة لمدة عامين. وقد اتُهم الفلسطينيون المسلحون من المخيم بالتنمر على السكان وفشلوا في الالتزام بأوامر الحكومة التي تتخذ من رام الله مقراً لها.
سيطرة المسلحين في جنين
وتنشط عناصر مسلحة من حماس والجهاد الإسلامي على نطاق واسع في مختلف أنحاء المخيم. وتتهم إسرائيل هاتين الجماعتين بالانتماء إلى ما يسمى محور المقاومة الإيراني، وتقول إن طهران تقوم منذ سنوات بتهريب الأسلحة الصغيرة إلى الضفة الغربية.
كانت جنين لفترة طويلة بمثابة بؤرة توتر بين قوات الأمن الفلسطينية والفصائل المسلحة، ولكنها شهدت تصعيدًا كبيرًا في ديسمبر/كانون الأول. فقد اعتقل أفراد من السلطة الفلسطينية عضوًا بارزًا في كتيبة جنين ـ وهي منظمة مظلة للجماعات المسلحة ـ ورد المسلحون بالاستيلاء على سيارتين حكوميتين، مما أدى إلى اندلاع مواجهات مباشرة.
ولكن أجهزة الأمن الفلسطينية تواصل مطالبة كتيبة جنين بتسليم كل أسلحتها، في حين يرفض عناصر الكتيبة ذلك، قائلين إن أسلحتها "موجهة ضد اقتحامات القوات الإسرائيلية وليس ضد السلطة (الفلسطينية)".
جنين هي المحافظة الفلسطينية الوحيدة التي لا يوجد بها مستوطنون أو مستوطنات إسرائيلية. وفي حين يقول المسلحون إن هذا الغياب يرجع إليهم، فإن قيادة رام الله تزعم أن هذا يعني أنه لا توجد حاجة لأفراد مسلحين يتنافسون مع قوات الأمن الفلسطينية المعتمدة رسمياً. ومن جانبها، تصر قوات الأمن الفلسطينية على أنها ستواصل هذه العملية "حتى النهاية".
وتعتبر مدينة جنين ومخيمها معقلا للفصائل الفلسطينية المسلحة. ودانت حركتا حماس والجهاد الإسلامي، اللتان أدرجتا على قائمة الإرهاب الأميركية، السلطة الفلسطينية ووصفتا العملية بأنها "جريمة مكتملة الأركان" في بيان على تطبيق "تيليجرام". كما حذر أنصار الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين من أن قوات الأمن الفلسطينية تتخطى "الخط الأحمر" بهذه العملية.
ديناميكيات ما بعد 7 أكتوبر
ولكن لا يمكن فصل العمليات العسكرية في جنين عما حدث في غزة خلال الأشهر الأربعة عشر الماضية.
ويخشى عباس من أنه إذا تمكنت الجماعات المسلحة في الضفة الغربية من بناء قدراتها، فقد تتمكن من تنفيذ هجوم مماثل للهجوم الذي نفذته حماس في السابع من أكتوبر/تشرين الأول من الضفة الغربية، مما قد يؤدي إلى رد فعل إسرائيلي مدمر مماثل.
إن الانقسام الأيديولوجي الأكثر خطورة يبرز أيضاً في خلفية الاشتباكات الحالية في جنين. ذلك أن الرئيس عباس ومعظم أعضاء منظمة التحرير الفلسطينية يعارضون فكرة جدوى "المقاومة المسلحة" ـ وهو ما أدى إلى إسقاط المصطلح رسمياً من برنامج الحكومة في عام 2007. وفي الوقت نفسه، تزعم حركتا الجهاد الإسلامي وحماس أن القتال هو السبيل الوحيد لتحقيق التحرير للفلسطينيين، مهما كانت التضحيات.
يزعم كثيرون أن قضايا السلام والحرب لا ينبغي أن يقررها أي طرف، بل ينبغي توجيهها من خلال إجماع الشعب. ورغم أن حماس لم تسع إلى مثل هذا الإجماع أو تفوز به، فإن عباس ـ الذي لا يحظى بشعبية كبيرة ، والذي أرجأ مراراً وتكراراً الانتخابات التي كان من الممكن أن تمنح الشعب الفلسطيني صوتاً ـ لم يسع أيضاً إلى ذلك. وفي استطلاع للرأي نشره المركز الفلسطيني للبحوث السياسية والاستطلاعية في سبتمبر/أيلول، قال 84% من المستجيبين في الضفة الغربية وغزة إنهم يريدون استقالة عباس. وعندما سئلوا عن الحزب السياسي أو الحركة التي يؤيدونها، جاءت حماس في المرتبة الأولى بنسبة 36%، تليها فتح بنسبة 21%.
كما يتطلع عباس وقواته الأمنية إلى القيادة الجديدة في واشنطن: إذ يشعر عباس بالقلق من أن ما يسمى بصفقة القرن - اقتراح الرئيس المنتخب دونالد ترامب لعام 2020 لحل الصراع الإسرائيلي الفلسطيني - سيتم فرضه الآن، ومن أنه سيتم السماح لإسرائيل بضم المناطق التي ليست جزءًا من الأراضي الصغيرة المخصصة للدولة الفلسطينية المستقبلية في هذا الاقتراح.
مع تزايد احتمال التوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار في غزة، يركز الجميع على في اليوم التالي، ومع وضع ذلك في الاعتبار، يريد عباس وقواته الأمنية أن يظهروا لإسرائيل وترامب وبقية العالم أنه إذا لزم الأمر، يمكنهم الوقوف في وجه المقاتلين المسلحين الذين يتحدون الوضع الراهن.