تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

على الرغم من التوتّر السياسيّ... المساعدات الماليّة الأميركيّة للأمن الفلسطينيّ مستمرّة

على الرغم من التوتّر السياسيّ بين السلطة الفلسطينيّة والولايات المتّحدة الأميركيّة، لا تزال العلاقات الأمنيّة بين الطرفين مستمرّة، ومنها استمرار الدعم الماليّ الأميركيّ لتلك الأجهزة.
RTS109MX.jpg

رام الله – الضفّة الغربيّة: أشادت وزارة الخارجيّة الأميركيّة بالجهود التي تقوم بها أجهزة الأمن الفلسطينيّة لمنع عمليّات ضدّ إسرائيل، في تقريرها السنويّ الصادر في 19 أيلول/سبتمبر، لعام 2017 على الرغم من التوتّر السياسيّ المتصاعد بين الإدارة الأميركيّة والسلطة الفلسطينيّة منذ إعلان الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب في 6 كانون الأوّل/ديسمبر 2017 اعترافه بالقدس عاصمة لإسرائيل ونقل سفارة بلاده إليها.

وقال التقرير الذي اطّلع عليه "المونيتور" إنّ "السلطة الفلسطينيّة واصلت جهودها لمكافحة الإرهاب وإنفاذ القانون في الضفّة الغربيّة، حيث ظلّت حماس وحركة الجهاد الإسلاميّ والجبهة الشعبيّة حاضرة، وإنّ قوّات الأمن الفلسطينيّة قامت بتقييد قدرة تلك المنظّمات على شنّ هجمات، بما في ذلك اعتقال أعضاء حماس الذين يخطّطون لشنّ هجمات ضدّ الإسرائيليّين".

ويبدو أنّ المساعدات الأميركيّة المخصّصة للأجهزة الأمنيّة الفلسطينيّة البالغة قرابة الـ100 مليون دولار والمخصصة لموازنة الامن الفلسطيني، لم تتأثّر بالتوتّر السياسيّ بين الجانبين، والذي تسبّب في تجميد الإدارة الأميركيّة أموال المساعدات الماليّة إلى الفلسطينيّين (مشاريع بنية تحتية، مساعدات للاونروا، المجتمع المدني)، وكان آخرها في 14 أيلول/سبتمبر 2018 تجميد 10 ملايين دولار كانت مخصّصة لبرامج التعايش بين الشبّان الفلسطينيّين والإسرائيليّين.

وذكر تقرير الخارجيّة الأميّركيّة، أنّ "الولايات المتّحدة الأميركيّة ساعدت السلطة من خلال توفير التدريب، والمعدّات، ودعم البنية التحتيّة لقوى الأمن الفلسطينيّة، وساهم ذلك في استمرار السلطة بتطوير قوّات أمنيّة احترافيّة ومكتفية ذاتيّاً، كما ساعدت أميركا السلطة في إجراء تحقيقات في العدالة الجنائيّة، ومحاكمات تمويل الإرهاب، والأنشطة الإرهابيّة".

وقال مصدر في السلطة الفلسطينيّة، رفض الكشف عن هويّته، لـ"المونيتور": "السلطة لم تبلّغ بقطع المساعدات الأميركيّة المقدّمة إلى الأمن الفلسطينيّ، والتي تعتبرها أميركا مهمّة لضبط الأمن في الضفّة الغربيّة واستمرار التنسيق مع إسرائيل، لكنّ ذلك لن يغيّر من موقف السلطة السياسيّ من الإدارة الأميركيّة" في اشارة الى انحيازها لاسرائيل متمثلا بقرار ترامب باعترافه بالقدس عاصمة لاسرائيل ونقل السفارة الامريكية اليها، ونيته طرح صفقة القرن.

وكانت صحيفة هآرتس الإسرائيليّة كشفت في 2 آب/أغسطس الماضي أنّ الإدارة الأميركيّة، وعلى الرغم من قرارها إعادة النظر في المساعدات للفلسطينيّين (البرامج المدنية)، قد حوّلت 61 مليون دولار إلى قوّات الأمن الفلسطينيّة لاستمرار االتنسيق الأمنيّ بين السلطة وإسرائيل.

وعلى ضوء ذلك، قال القياديّ في الحركة عبد الله عبد الله لـ"المونيتور": "قطع المساعدات الأميركيّة لم تأت دفعة واحدة وإنّما بالتدريج، بسبب الموقف الأميركيّ العدائيّ من الشعب الفلسطينيّ وقضيّته"، مضيفاً: "نتوقّع توقّف المساعدات الأميركيّة للأجهزة الأمنيّة، في ظلّ موقفنا الواضح تجاه الإدارة الأميركيّة الحاليّة وانحيازها إلى الاحتلال الإسرائيليّ".

من جانبه، قال وزير التخطيط السابق في الحكومة الفلسطينيّة والمدير السابق للمركز الإعلاميّ الحكوميّ غسّان الخطيب لـ"المونيتور": "واشنطن تسير بخطوات تصاعديّة في فرض العقوبات على السلطة ولا نعلم أين ستصل"، لافتاً إلى أنّ الإدارة الأميركيّة تعتقد أنّ مزيداً من فرض العقوبات على الفلسطينيّين لن يقلّل من فرص تحقيق السلام مع الإسرائيليّين، ممّا يشير إلى وجود المزيد من العقوبات لديها، قد تطال المنح المقدّمة إلى الأمن.

وأوضح الخطيب أنّ "استمرار السلطة في موقفها الرافض للتعامل مع أميركا، ورفضها لعب دور الوسيط في عمليّة السلام، قد يجعلان من انهيار السلطة أمراً لا تمانعه أميركا وإسرائيل"، مضيفاً: "السلطة لها وظائف عدّة، ووجودها مرتبط بمشروع عمليّة السلام، ولذلك إذا بقيت السلطة رافضة لعودة المفاوضات وقبول الدور الأميركيّ، فقد لا يكون لوجودها لزوم من الناحية الأميركيّة".

ولعل الموقف الامريكي من السلطة ينحصر بالرئيس عباس ، وهو الامر الذي المح اليه المبعوث الأميركي لعملية السلام، جيسون غرينبلات في تغريدة على موقع تويتر من استمرار مقاطعته للتسوية الأميركية للقضية الفلسطينيّة، بالقول "إن هناك من سيملأ الفراغ".

وأضاف الخطيب: "الانتقادات الأميركيّة والإسرائيليّة للسلطة لم تمسّ الدور الأمنيّ، ولذلك فالتقييم الأميركيّ للسلطة إيجابيّ من الناحية الأمنيّة وسلبيّ من الناحية السياسيّة".

وترتبط السلطة الفلسطينيّة بعلاقات أمنيّة مع أميركا تتعدّى تقديم المساعدات الماليّة، إلى اللقاءات الثنائيّة، في ظلّ وجود قنوات اتّصال أمنيّة دائمة، منذ مساهمة أميركا في إعادة بناء الأجهزة الأمنيّة الفلسطينيّة في عام 2005، بعد انهيارها بسبب انتفاضة الأقصى التي اندلعت في عام 2000، حيث جرى تأهيل جهاز الأمن الفلسطينيّ في الضفّة الغربيّة وتطويره ودعمه، ورفع مستوى التنسيق مع الجانب الإسرائيليّ بدعم أميركيّ.

وكشفت صحيفة هآرتس في 28 أيّار/مايو 2018 عقد مدير المخابرات الفلسطينيّة ماجد فرج لقاء سرّيّاً، بعلم الرئيس محمود عبّاس، مع مايك بومبيو قبل أيّام من تسلّمه منصبه كوزير للخارجيّة الأميركيّة. ونقلت الصحيفة عن مصدر فلسطينيّ لم تكشف هويّته آنذاك قوله إنّ "الاجتماعات الأمنيّة بين السلطة والإدارة الأميركيّة لم تنقطع، على الرغم من القطيعة السياسيّة".

لكنّ استمرار تأزّم العلاقة السياسيّة بين البلدين قد يعصف بالعلاقة الأمنيّة، حيث هدّدت السلطة الفلسطينيّة حسب ما نقلته هيئة الإذاعة الإسرائيليّة "كان" في 11 أيلول/سبتمبر بـ"وقف التنسيق الأمنيّ والمخابراتيّ بين السلطة الفلسطينية (المخابرات الفلسطينية) ووكالة الاستخبارات المركزيّة بسبب قرار الإدارة الأميركيّة إغلاق ممثّليّة منظّمة التحرير الفلسطينيّة في واشنطن". لكنّ قرار وقف التنسيق الامني لم يتّخذ ويعلن حتّى اللحظة

وفي هذا الجانب، قال مدير المركز الفلسطينيّ للبحوث والدراسات الاستراتيجيّة في رام الله، والذي شغل منصب مدير مخابرات غزة سابقا، ونائب رئيس جهاز المخابرات العامّة سابقاً، محمّد المصري لـ"المونيتور" إنّ "استمرار التصعيد بين السلطة وأميركا قد يمسّ كلّ العلاقة الأمنيّة من حيث المبدأ، لكنّ لظروف محدّدة قد يكون لواشنطن مصلحة بعدم قطع دعمها للأجهزة الأمنيّة".

وحول تأثّر عمل الأمن الفلسطينيّ بقطع المساعدات إن حصل، قال المصري إنّ "المؤسّسة الأمنيّة تقوم بدورها الأمنيّ لحفظ الأمن في المنطقة والعالم، وهي جزء أساسيّ من مكافحة الإرهاب على المستوى الدوليّ، وهذا من مصلحتنا لكي لا يوصف شعبنا بالإرهابيّ"، موضحاً: "المؤسّسة الأمنيّة الفلسطينيّة ستقوم بدورها في مكافحة الإرهاب حتّى لو قطعت الولايات المتّحدة الأميركيّة مساعداتها لها، لأنّ ذلك أمر استراتيجيّ لديها".

ولفت المصري إلى أنّ العلاقات الأمنيّة بين الدول لا تنقطع حتّى أثناء الحروب، لأنّ تلك العلاقات تعدّ القناة الأخيرة للطرفين، لإعادة السياسيّين إلى طاولة المفاوضات، لذلك من مصلحة الدول الإبقاء على القنوات الأمنيّة مفتوحة.

وعلى الرغم من الضغوط التي تمارسها الولايات المتّحدة الأميركيّة على السلطة لتغيير موقفها السياسيّ، لا يبدو أن تغيّراً قد يطرأ على أداء الأجهزة الأمنيّة الفلسطينيّة وعملها في المرحلة المقبلة، كما من المستبعد مجازفة الجهات الأمنيّة الأميركيّة بقطع علاقاتها أو قنوات الاتّصال مع نظيرتها الفلسطينيّة.