تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

تركيا تستعرض عضلاتها العسكرية في قطر

تُظهر تركيا تحوّلاً نحو السياسة الخارجية القائمة على "القوة الصلبة" عبر بناء وجودها العسكري بصورة تدريجية في قطر ليتحول إلى قوة بمستوى كتيبة.
Qatari Crown Prince Sheikh Tamim bin Hamad bin Khalifa al-Thani (2ndL) and Turkish President Recep Tayyip Erdogan (L), walk past a guard of honor during an official welcoming ceremony prior to their meeting at the presidential palace in Ankara, Turkey, on December 19, 2014. AFP PHOTO / ADEM ALTAN        (Photo credit should read ADEM ALTAN/AFP/Getty Images)

من البنود الأساسية التي كانت مدرَجة على جدول الأعمال خلال زيارة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إلى السعودية والكويت وقطر في 23 و24 تموز/يوليو الجاري، الوجود العسكري التركي المستمر في قطر. فتحالف البلدان العربية بقيادة السعودية الذي أقدم على قطع العلاقات مع قطر في مطلع حزيران/يونيو الماضي، يطالب، إلى جانب 12 مطلباً آخر، بأن تعمد تركيا إلى إغلاق قاعدتها هناك.

رفضت الدوحة وأنقرة المطلب رفضاً قاطعاً على اعتبار أنه يشكّل "انتهاكاً للحقوق السيادية". لقد أثنى أمير قطر، تميم بن حمد آل ثاني، في خطابه إلى الأمة في 21 تموز/يوليو الجاري، على الموقف التركي في أزمة الخليج، قائلاً: "لا يفوتني أن أشيد بالدور الهام الذي لعبته تركيا في إقرارها السريع لاتفاقية التعاون الاستراتيجي الموقَّعة بيننا والمباشرة في تنفيذها وأن أشكرها على استجابتها الفورية لتلبية احتياجات السوق القطرية".

ترزح قطر تحت وطأة العقوبات التي فرضتها عليها السعودية والإمارات العربية المتحدة والبحرين ومصر من خلال الحظر الجوي والبري والبحري على خلفية اتهامها بدعم الإرهابيين، الأمر الذي تنفيه قطر.

في مقالي عبر موقع "المونيتور" في 12 حزيران/يونيو بعنوان "الجيش التركي سيحمي النظام القطري عند الاقتضاء"، شدّدت على أن بقاء النظام القطري والمصير الشخصي لأمير البلاد – الذي قدّم الدعم الأقوى لأردوغان في مواجهة انتفاضة عسكرية فاشلة قبل عام – هما مسألتان حيويتان بالنسبة إلى الرئيس التركي. إنه أحد الأسباب خلف تصميم أنقرة على توسيع شراكتها العسكرية-الاستراتيجية مع قطر.

لقد بلغ عدد الجنود الأتراك في ما يُسمّى "مقر الفرقة التكتيكية المشتركة" في الدوحة، ثلاثمئة عنصر. يشتمل هذا الوجود على سريّة من كتيبة الكومندوس الثانية، وسرية مشاة مؤلَّلة من الفيلق الخامس، ومدفعَين من طراز "هاوتزر" عيار 155 ملم. باتت تركيا تمتلك في قطر وحدة حربية بمستوى كتيبة.

وفقاً لمصادر أمنية تحدّث معها موقع "المونيتور" في أنقرة، يُتوقَّع أن يتحوّل الوجود التركي في قطر بحلول سنة 2018 إلى وحدة حربية بمستوى كتيبة مؤلّفة من نحو ثلاثة آلاف عنصر. سيكون للقاعدة التركية ميناؤها البحري الخاص ومدرجٌ مخصَّص في البداية لطائراتها غير المأهولة، ومن ثم للرحلات العسكرية. وبحلول أواخر سنة 2018، يُرجَّح أن يبدأ عناصر من سلاح البحرية التركي بإجراء دوريات في الخليج، وأن تباشر طائرات تركية من دون طيّار وطائرات تابعة للمنظومة المجوقلة للتحذير المسبق والتحكّم، القيام بمهام استطلاعية فوق المجال الجوي القطري والخليج.

بحسب المحلل العسكري جان كاسابوغلو، سوف يوازي نشر ثلاثة آلاف جندي تركي نحو ثلث عناصر الجيش القطري الذين هم في الخدمة الفعلية. بناءً عليه، وفي إطار ما تنص عليه الاتفاقات الثنائية بين أنقرة والدوحة، يمكن أن تؤدّي القاعدة العسكرية التركية دوراً أساسياً في الخطط الدفاعية القطرية، وكذلك في جدول أعمال الأمير في ما يختص بالتعاطي مع الشؤون الإقليمية.

قال كاسابوغلو في تحليل لـ"مركز الدراسات حول الاقتصاد والسياسة الخارجية" نُشِر في تموز/يوليو الجاري: "غالب الظن أن عمليات الانتشار الأمامية في قطر سوف تؤدّي إلى مزيد من التنافس وتلقي بضغوط إضافية على العلاقات التركية-الإماراتية. لكن ما دامت أنقرة قادرة على تجزئة علاقاتها مع دول مجلس التعاون الخليجي، لا سيما مع السعودية، يمكن الحد من تداعيات الخلاف السياسي مع الإمارات".

وفقاً لهذا التحليل، تمتلك تركيا حالياً وجوداً عسكرياً في المناطق الآتية:

  • الصومال، من أجل بناء القدرات التابعة لدولة شريكة، وتنفيذ مهام خارجية للدفاع الداخلي، وتقديم المساعدات الإنسانية. تركيا في صدد بناء قاعدة هناك سوف تكون، عند الانتهاء منها، الأكبر بين قواعدها في الخارج.
  • قطر، من أجل المساعدة في المجال الأمني، وبناء التحالفات، وفرض النفوذ.
  • شمال العراق، من أجل تنفيذ عمليات لمكافحة الإرهاب، ومهام استطلاعية خاصة، والمساعدة في التدريب والتجهيز.
  • مثلّث جرابلس/الباب/الراعي في شمال سوريا، من أجل محاربة الإرهاب، وتنفيذ مهام استطلاعية خاصة، والمساعدة في التدريب والتجهيز.
  • كابول في أفغانستان، في إطار مهمة لحفظ السلام.
  • شمال قبرص، مع قوة عسكرية بحجم فيلق من أجل الدفاع الجماعي، وتنفيذ الالتزامات الدولية، وفرض النفوذ.
  • أذربيجان، مع قواعد عسكرية لبناء التحالفات وتنفيذ مهام خارجية للدفاع الداخلي.
  • لبنان، حيث يساهم سلاح البحرية التركي في القوة المؤقتة التابعة للأمم المتحدة (اليونيفيل).

ليس سراً أن تركيا تناقش إمكانية إنشاء قواعد عسكرية في باكستان وأندونيسيا وماليزيا والسعودية. لقد أقرّت مصادر في أنقرة بأن المحادثات مع السعودية حول إنشاء قاعدة في جنوب البلاد حيث يسكن الشيعة وقاعدة أخرى لتكون بمثابة ميناء يتمركز فيه سلاح البحرية، توقّفت بسبب الأزمة القطرية. وقد تساءل كثرٌ إذا كان هذان المشروعان سيُطرَحان على طاولة النقاش خلال زيارة أردوغان إلى السعودية.

تنوي تركيا أن تُنجز، في غضون ثلاث سنوات، سفينة الأناضول الهجومية البرمائية التابعة لخفر السواحل التركي، والتي سوف تُستخدَم أيضاً بمثابة حاملة للطائرات الخفيفة. سوف تتمكّن السفينة من حمل 10 طائرات مقاتلة "إف-35 بي" يسعى سلاح البحرية التركي إلى نشرها بحلول سنة 2021، هذا فضلاً عن الإضافات الجديدة المزمع إدخالها إلى مخزون القوات المسلحة التركية من المروحيتَين الهجوميتين "سي إيتش-47" المتعددة الأغراض و"تي-29 أتاك" – إلى جانب نشر كتيبة بحرية كاملة التجهيزات لحماية المرابط عند الشواطئ. سوف يساهم هذا المشروع في زيادة القوة التركية في المتوسط والبحر الأسود أضعافاً مضاعَفة. وقد توقّف كثرٌ أيضاً عند تصريح أردوغان بأن تركيا هي واحدة من عشر دول قادرة على بناء سفن حربية، وبأنها مصمّمة الآن على صنع حاملة طائرات من إنتاجها.

على ضوء كل هذه الخطوات والمخططات في السياسة الخارجية، تعمد تركيا تدريجاً إلى عسكرة سياستها الخارجية وتحويلها من قوة ناعمة إلى قوة صلبة.

بين العامَين 2006 و2011، أقرّت تركيا، من خلال سياسة خارجية حملت توقيع رئيس الوزراء آنذاك أحمد داود أوغلو وفريق عمله، بأن قيمتها في السياسة العالمية تقوم على موقعها الجيو-استراتيجي وعمقها التاريخي وقوتها الناعمة.

في العام 2016، بعد تخلّي داود أوغلو عن رئاسة الوزراء، واستفحال المخاطر الأمنية لا سيما في العراق وسوريا، برزت سياسة خارجية جديدة قوامها الرد بصورة فاعلة واستباقية وجازمة على المخاطر والتحديات الأمنية عن طريق القوة الصلبة.

يقول فرات كيمان، مدير "مركز اسطنبول للسياسات" وأستاذ العلاقات الدولية في جامعة سابانجي، في تعريفه لهذا الأنموذج الجديد، إنه "واقعيةٌ أخلاقية".

ويشير إلى أن الواقعية الأخلاقية "تجمع بين تثبيت الوجود العسكري المستند إلى القوة من جهة والمعايير الإنسانية من جهة ثانية، فضلاً عن المقاييس الجديدة المستندة إلى القدرات والاستراتيجية".

يشعر الجيش التركي بالرضى والسرور عند فرض قوته الصلبة في المنطقة بديلاً عن الدبلوماسية المدنية وبناء التحالفات. وبين الفروع العسكرية، تفوّقت قيادة سلاح البحرية على الجيش وسلاح الجو في الأدوار والمهام في هذا الأنموذج الجديد. لعله السبب خلف البروز المتزايد، لا سيما لضباط البحرية، عند قيام مسؤولين أتراك بزيارة صنّاع القرارات في الخارج.

هذا فضلاً عن أن السياسة الخارجية الأكثر "عضَلية" تُحقّق منافع في الداخل على صعيد رأب العلاقات المدنية-العسكرية التي شهدت تدهوراً خطيراً إبان المحاولة الانقلابية في 15 تموز/يوليو 2016، إلى جانب تشجيع القطاعَين على العمل معاً. ومن القطاعات الأخرى التي تحصد فوائد لافتة الصناعة الدفاعية والتكنولوجيا العسكرية.

لقد امتدّت تداعيات العلاقات الرديئة والمتزعزعة بين القطاعَين العسكري والمدني في أنقرة – على خلفية النظام التعليمي العسكري، والترقيات والتعيينات، وعلاقات السلطة بين هيئة الأركان العامة التركية ووزارة الدفاع، وكذلك بين قيادات الأجهزة – لتطال بتأثيراتها السياسة الخارجية فتساهم في رسم معالمها وآلية تنفيذها، وكذلك القطاع الدفاعي والتكنولوجيات العسكرية. وهكذا فإن تهدئة العلاقات بين قطاعَين أساسيين في البلاد عبر اللجوء إلى السياسة الصلبة في العلاقات الخارجية، هو خبرٌ مرحَّب به بالنسبة إلى الرأي العام الذي يعاني من الاستقطاب.

More from Metin Gurcan

Recommended Articles