تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

ما هو دور الجهاديين الليبيين السلفيين في هجوم مانشستر؟

لقد قام الانتحاري سلمان العبيدي بالعديد من الرحلات من وإلى ليبيا٬ حيث عائلته كانت مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بالحركة الجهادية السلفية٬ مما فتح أمام الفرص للحصول على التدريب المناسب لتنفيذ مذبحة مانشتسر.
Flowers and messages of condolence are left for the victims of the Manchester Arena attack, in central Manchester, Britain May 25, 2017. REUTERS/Stefan Wermuth - RTX37J8V

إذا كان لكلّ مجرمٍ قصةٌ خلفيةٌ٬ فإنّ الهجوم الارهابي المروّع الذي وقع في 22 أيار/مايو الجاري في مانشستر في انجلترا٬ سبقته رواية غامضة تجمع بين الاكتئاب والنبذ الاجتماعي والتطرف والكراهية بين الأجيال٬ وهذا هو النوع بالتحديد الذي يبحث عنه تنظيم الدولة الاسلامية (داعش) لنشره.

بينما يستمرّ التحقيق في قصّة الانتحاري الليبي البريطاني سلمان العبيدي٬ يبقى السؤال الذي يطرح نفسه: هو هل تصرّف العبيدي بمفرده أم كان جزءًا من مخطط أكبر؟ فالإجابة لهذا السؤال قد تكون المفتاح إلى كشف دوافعه والأهمية الجيوستراتيجية للهجوم الذي نفذّه.

هل كانت دوافعه متعلقة بعلاقته بالعصابات أو تهميشه الاجتماعي أو تاريخ عائلته الطويل داخل الحركات السلفية الناشطة في ليبيا؟

قد تشكّل قصة العبيدي الخلفية مزيجًا فريدًا من هذه العناصر ولكنها أيضًا تمثل نموذجًا واضحًا لبعض الشباب الآخرين الذين يقعون بسهولة فريسة الإسلام المتطرف بسبب ميولهم الشخصية ومشاكلهم النفسية من جهة وروابطهم العائلية والاجتماعية من جهة أخرى.

فقد سارع إعلام داعش إلى تبني العملية ولكن الأدلة التي تشير إلى أن العبيدي كان يتلقى أوامر من داعش مباشرةً في قليلة.

 فهذه ليست الطريقة التي تعمل وفقها القوات الارهابية في عام 2017. فجيل الألفية هو جيل "الأنا"، فهم أكثر ميولًا للقيام بالأمور على طريقتهم الخاصة. أما داعش فيستفيد من مبادراتهم الفردية هذه.

في حين أن تقنية العبيدي في صنع القنابل تتطابق مع أساليب داعش في الهجمات السابقة٬ إلا أنّ تركيبة هذه القنبلة المعقدة بما في ذلك لزناد الاحتياطي٬ تفوق تركيبة القنابل السابقة.

باختصار٬ لا يبدو العبيدي مبتدئًا كان يتعلم صنع القنابل عبر مشاهدة فيلم تعليمي على يوتيوب. وهذا ليس بالأمر المفاجئ٬ نظرًا لرحلاته المتعددة إلى ليبيا حيث ترتبط أسرته على نطاق واسع بالحركة الجهادية السلفية. وفي هذه الرحلات٬ توفرت له الفرص للقيام بمثل هذه التدريبات المتقدمة وتفعيل اتصالاته السابقة في مانشستر.

هرب والدا العبيدي إلى المملكة المتحدة كلاجئين في التسعينات بعد أن اتُهم والده٬ رمضان العبيدي٬ بالانتماء إلى الجماعة الليبية المقاتلة المعادية للقذافي والموالية للقاعدة٬ وهو ما يدعمه ضابط أمن ليبي سابق يدعى عبد البسيط حاروم والصداقة الوثيقة التي كانت تربط رمضان بزعيم الجماعة سامي السعدي.

ومثل غيرها من أعضاء الجماعة الليبية المقاتلة والجماعة الاسلامية٬ هربت عائلة العبيدي إلى شمال إنجلترا كلاجئين٬ واستقروا في مجتمع ليبي متماسك في جنوب مانشستر في فالوفيلد٬ حيث نشأ العديد من مقاتلين البارزين٬ مثل عبد الباسط عزوز٬ وهو خبير في صنع القنابل ومعروف أنه قاد شبكة مرتبطة بالقاعدة تضم ما يصل إلى 300 مقاتل في شرق ليبيا.

ولم تنته سمعة فالوفيلد بإيواء الارهابيين عند عودة العديد من أعضاء الجماعة الليبية المقاتلة إلى ليبيا٬ بما في ذلك رمضان العبيدي٬ لمحاربة القذافي في الربيع العربي عام 2011 مستفدين من السياسات السفر البريطانية السهلة من وإلى ليبيا.

فبينما عاد والد سلمان العبيدي ومعظم أفراد عائلته إلى ليبيا في إحدى ضواحي طرابلس٬ بقي سلمان وإخويه٬ هاشم واسماعيل في مانشستر٬ لإنهاء جامعتهم مثل ما هو مزعوم.

ومن دون الإشراف الأبوي في مانشستر٬ لم ينتهز العبيدي الفرص التعليمية المقدمة إليه. فقد استكمل سنتين فقط من الفصول الدراسية في إدارة الأعمال في جامعة سالفورد قبل ترك الجامعة.

ويذكر زملائه في الصف أنه كان مختلفًا عن التربية السلفية المتشددة. فقد قالوا إنه كان يشرب الكحول ويدخن الماريجوانا وكان أيضًا يلتحق بعصابة. في هذه الفترة٬ طعن شاب كان قريب من سلمان وهاشم في العنق لأنه دخل منطقة عصابة منافسة.

وبحسب صديق للعائلة في مانشستر٬ كانت علاقة الأخوين ببعضهما وطيدة جدًا وقد رأيا هذه الجريمة أنها معادية للإسلام٬ مما يكون قد دفعهما إلى السعي للانتقام واللجوء إلى التطرف.

وكانا يؤمنان أن المسلمين الحقيقيين يتعرضون باستمرار للاضطهاد بسبب معتقداتهم. وينعكس ذلك في رأي والد العبيدي بأن ابنه بريء وأن أسرته أصبحت الآن عرضة للاضطهاد بسبب التزامها الديني الصارم.

وعلاوة على ذلك٬ إن العلاقات الوثيقة بين أفراد شبكات الارهابيين السرية تأتي كبدائل طبيعية للشعور بالانتماء والإخوة في عضوية العصابات والتي تجذب الشباب مثل العبيدي وشقيقه الأصغر هاشم. 

وقد لاحظ زملاء العبيدي تغييرًا مفاجئًا في سلوكه بعد عودته من ليبيا قبل أن يترك الجامعة. فقد بدأ العبيدي بارتداء العباءة الاسلامية ولم يعد على اتصال بأصدقائه السابقين وكرّس نفسه للدين.

وقد أعرب عن أراء ايجابية بشأن التفجيرات الانتحارية بما دفع الناس في جامعته ومسجده للاعتقاد أنه قد يشكل تهديدًا حقيقيًا.

إن هذه التحولات الشخصية المفاجئة هي خصائص متكررة بين الارهابيين وتشير إلى مستوى من عدم الاستقرار العقلي والعاطفي والانفصال عن الواقع الذي يمهد في كثير من الأحيان إلى الهوس والسلوك المتطرف.

لقد ساعد أفراد مجتمع العبيدي على غسل دماغه وتنفيذه للعملية وفي ليبيا أيضًا حتى ولم يفصح عن نواياه لأصحابه.

إن منطقة مانشستر الجنوبية حيث أقام العبيدي قد أنتجت مجندين وناشطين معروفين في داعش٬ كان يعيش بعضًا منهم على بعد أقل من ميلٍ واحدٍ من الأخوة العبيدي وكانوا يقصدون المسجد نفسه المحلي المعروف باسم مسجد ديدسبري٬ حيث كان والد العبيدي يؤذن بعض الأحيان.

وتحقق مصادر أمنية على وجه الخصوص في علاقة العبيدي مع مجندين من داعش٬ هما أمير خليل رؤوفي ورفايل هوستاي٬ اللذين لقيا حتفهما في سوريا خلال السنوات الثلاث الماضية٬ وكانا ينحدران من الحي نفسه.

منذ تفجير الساحة٬ تم اعتقال رجل آخر من الحي. وقد كشفت المخابرات الألمانية أنّ العبيدي قد مرّ في بؤر التطرف المعروفة٬ أي دوسلدورف وفرانكفورت٬ مرتين منذ عام 2014 وربما كان قد سافر إلى سوريا حيث يُزعم أنه تلقى تدريبًا شبه عسكري.

ويشير الدليل على علاقات العبيدي بشبكة داعشية دوليه ترسخت داخل ليبيا والمملكة المتحدة وتاريخ من العلاقات مع العراق وسوريا وأفغانستان٬ أن تنظيم الدولة الإسلامية قد نشأ من البذور التي زرعتها موجات سابقة من الحركات الجهادية.

فداعش ليس ظاهرة جديدة٬ فهو يعيد ربط الشبكات الجهادية القائمة بطريقة جديدة. ومن المهم جدا تذكر هذه الملاحظة لأنه على الرغم من النكسات العسكرية الأخيرة لداعش في بلاد الشام وفي مدينة سرت الليبية٬ يمكن للتنظيم العودة إلى جذوره أي إلى الشبكات الجهادية الموجودة سابقًا.

على الرغم من أن القوة الجوية الأمريكية ساعدت بشكل فعّال نسبي ميليشيات مصراته على دفع داعش خارج سرت في ديسمبر الماضي٬ مما لا شك فيه أن داعش قد أعاد التجمع في مناطق غير خاضعة للسلطة في ليبيا. هذا بالإضافة إلى أن الوصول إلى التدريبات العسكرية في الأراضي الليبية يحصل بأسهل الطرق للتدرب على شنّ هجومات ضد أوروبا أو المصالح الأوروبية مثل النفط والسياحة في تونس والجزائر.

وقد وقعت مثل هذه الهجمات في 2014 و2015 و2016 وكانت كلّها مدبرة في ليبيا. إذا ثبتت التقارير الواردة من قوات الرادا المكافحة للإرهاب والتابعة لحكومة الوحدة الوطنية٬ التي تشير إلى أن هاشم قد اعترف بولائه لداعش وكان على علم بخطط أخيه٬ فيجب اعتبار هذا الهجوم الأخير إنذارًا مميتًا لمن يعتقدون أن ربح المعركة ضد داعش سيكون عبر نهج مكافحة الإرهاب التقليدية وقصف بعص الأهداف المحددة.

من المؤكد أن التواصل والاتصال بين طرابلس ومانشستر قد وفّرا للشباب مستوى من التدريب والتنسيق قد دفع شاب بالغ من العمر 22 عامًا بتنفيذ مثل هذه المجزرة من دون أن يتم كشفه طوال مراحل التخطيط للهجوم.

بوجود مثل هذه الشبكات التي تربط شمال إنجلترا بأفغانستان وليبيا والعراق وليبيا٬ كل ما يحتاجه الأمر هو شاب ساخط٬ وشبكة انترنيت وجواز سفر لإلحاق وابل من المعاناة الغرب.

ومن الأسهل بالنسبة لداعش بتفعيل هذه الشبكات عبر أفراد لهم علاقات مسبقة بالمجتمع الجهادي مثل العبيدي. يتعين على هؤلاء الذين يدعمون الحلول العسكرية وحسب في الحرب على الارهاب أن يكونوا حذرين من واقع أن مقابل كل مقاتل داعشي قُتل في ليبيا٬ ثمة عشرات المجندين المحتملين أو أفراد داخل الوسط الجهادي الذين يمكن الوصول إليها عبر الإنترنت والذين مستعدين لشن الهجومات في أوروبا.

ومن هنا٬ فإن الأهمية الجيوستراتيجية لهذ الهجوم تتمثل في الحاجة الملحة لإعادة تقييم أسلوب الحرب القائمة حاليًا ضد الإرهاب.

يتعين على الدول الغربية أن تتبنى حلولًا شمولية شاملة تعزّز نظم الحكم في أماكن مثل ليبيا وتمكّن المجتمعات الإسلامية في الغرب والشرق الأوسط من محاربة "الحرب الدينية" داخل الإسلام نفسه.

قد يكون من الحكمة أن تعيد إدارة الرئيس دونالد ترامب التفكير في الفصل الكامل للدور الأميركي التقليدي في الدبلوماسية الدولية المتعلقة بليبيا.

ومن شأن تعيين مبعوث خاص للولايات المتحدة مكلّف بالوساطة في الحرب الأهلية في ليبيا أن يكون خطوة أولية جيّدة في هذا الاتجاه.