تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

كيف يستطيع ترامب التّعامل مع النّزاع بين إيران ومجلس التّعاون الخليجي

بالنّظر إلى المستقبل، قد يمهّد انتخاب دونالد ترامب الطّريق لإقامة مبادرات من شأنها إطلاق الحوار بين إيران ومجلس التّعاون الخليجي.
U.S. President elect Donald Trump walks up a staircase to depart the lobby of the New York Times building after a meeting in New York, U.S., November 22, 2016.  REUTERS/Lucas Jackson - RTSSUCX

مع أنّ جوانب كثيرة من آراء الرّئيس المنتخب دونالد ترامب بشأن السّياسة الخارجيّة كانت غامضة في خلال الحملة الانتخابيّة، برز موضوع عام محدّد: أنّ الولايات المتّحدة فعلت أكثر ممّا ينبغي لتكفل الحلفاء الراكبين بالمجان حول العالم. أعلن ترامب في شهر نيسان/أبريل، "يجب أن يساهم حلفاؤنا في التّكاليف الماليّة، والسّياسيّة والإنسانيّة لعبئنا الأمني الضّخم. هم ينظرون إلى الولايات المتّحدة على أنّها ضعيفة ومتسامحة ولا يشعرون أنّهم ملزمون باحترام اتّفاقيّاتهم معنا". وهذه المشكلة، التي كرّرها الرّئيس باراك أوباما، هي أكثر حدّة في الشّرق الأوسط حيث أشرف حلفاء الولايات المتّحدة الإقليميّون على الانهيار في المنطقة وقيام المجموعات المتمرّدة العنيفة، ولم يفعلوا شيئًا يُذكَر لتقاسم عبء توفير الأمن الإقليمي.

في الحرب ضدّ تنظيم الدّولة الإسلاميّة (داعش)، على سبيل المثال، قيل إنّ السّعوديّة، والإمارات العربيّة المتّحدة وقطر "اختفت من الحملة"، مع أنّها دعمت الثّوار السّوريّين، وكأنظمة ملكيّة سنيّة، هي عرضة للتّهديد أكثر من أيّ دولة إقليميّة أخرى بسبب الأيديولوجيّة الوهابية السّلفيّة الخاصّة بداعش. وقال ترامب، "لو كانت السّعوديّة بدون عباءة الحماية الأميركيّة ... لما كانت موجودة على ما أعتقد". 

إلى جانب رغبة ترامب في أن يبذل الحلفاء الإقليميّون جهودًا أكبر لضمان أمنهم، لديه فهم صريح بأنّ التّدخّل العسكري الأميركي في الشّرق الأوسط لم ينجز أمورًا مهمّة وهو يأتي مقابل كلفة كبيرة جدًا. وقال لبرنامج "60 دقيقة" في 13 تشرين الثاني/نوفمبر، "نحن نخوض هذه الحرب منذ 15 عامًا. أنفقنا 6 تريليون دولار في الشّرق، 6 تريليون، لكان بإمكاننا إعادة بناء بلادنا مرّتين".

حضرت مؤخّرًا ملتقى أبو ظبي الاستراتيجي السّنوي الثّالث حيث زعم مئات المشاركين العرب من المنطقة أنّ إيران مصمّمة على أن تهيمن على المنطقة وهي تتدخّل في شؤون الدّول العربيّة. بالإضافة إلى ذلك، ألقوا باللّوم على الولايات المتّحدة لمهاجمتها أفغانستان والعراق وتسليم المنطقة لإيران. وبما أنّني الإيراني الوحيد في الملتقى، ذكّرتهم بأنّ حرب الولايات المتّحدة على الإرهاب أطلقتها هجمات 11 أيلول/سبتمبر التي نفّذها 19 مختطفًا، 15 من بينهم سعوديّين. بقي أيضًا العراق في عهد صدام حسين طوال سنوات حليفًا لمجلس التّعاون الخليجي الذي دعمه في خلال الحرب العراقيّة الإيرانيّة الوحشيّة التي دامت ثماني سنوات. بعد ذلك، عندما قام صدام بغزو الكويت في العام 1990، طلب مجلس التّعاون الخليجي من الولايات المتّحدة وحلفائه أن يأتوا لنجدته ويردعوا صدام. أمّا بالنّسبة إلى دولتين عربيّتين أخرتين - ليبيا واليمن - انهارتا في السّنوات الأخيرة، فقد شارك مجلس التّعاون الخليجي مباشرة في الهجمات العسكريّة التي دمّرت الدّولة في البلدين.

إنّ نمط تفكير ترامب بشأن هذه المسائل يسير في الاتّجاه الصّحيح. فلتعزيز السّلام في الخليج العربي، لا بدّ للولايات المتّحدة وحلفائها من أن تؤدّي دورًا أكثر حزمًا في رعاية الاستقرار الإقليمي، ولا بدّ لأميركا من أن تتخلّى عن استراتيجيّاتها التي تركّز على تغيير النّظام والتّدخّل العسكري.

تغذية التّشارك المحلي: نموذج هلسنكي

إنّ الحروب بالوكالة بين مراكز القوى المتنافسة التي تطبع الشّرق الأوسط الحديث اليوم لا تختلف كثيرًا عن تلك التي جرت في أوروبا منذ بضعة عقود. ففي خلال الحرب الباردة، علقت الولايات المتّحدة وحلفاؤها في حلف الناتو في مواجهة متصاعدة أكثر فأكثر مع الاتّحاد السّوفيتي وحلفائه في حلف وارسو. وكانت أوروبا الخطّ الأمامي حيث غالبًا ما كانت التوتّرات على وشك الانفجار وبدا من المحتّم أنّها ستخرج عن السّيطرة. واستمرّ هذا حتّى إبرام اتّفاقيّة هلسنكي في العام 1975 وتشكيل لجنة الأمن والتّعاون في أوروبا.

أطلقت اتّفاقيّة هلسنكي عمليّة تستطيع بموجبها دول حلف الناتو وحلف وارسو، فضلاً عن دول أوروبا المحايدة، أن تجلس بدون شروط مسبقة وتناقش مخاوفها الأمنيّة. تأسّست لجنة الأمن والتّعاون في أوروبا على مبادئ احترام السّيادة، وعدم استخدام القوّة، واحترام الحدود وسلامة الأراضي، وتسوية النّزاعات بالوسائل السّلميّة وعدم التدخّل في الشّؤون الدّاخليّة للدّول الأخرى؛ وهي سمحت لهذه الدّول بأن تجلس حول طاولة واحدة وتعبّر عن تظلّماتها الأمنيّة وتناقش طرقًا غير عنيفة لحلّها.

على مدى عقدين من الزمن، أفضت اجتماعات لجنة الأمن والتّعاون في أوروبا إلى تدابير هامّة متعلّقة بالشّفافيّة، والحدّ من الأسلحة وتبادل المعلومات، ساهمت بشكل ملموس في خفض حدّة التّوتّرات عبر القارّة الأوروبيّة. وفي العام 1994، جرى إضفاء طابع مؤسّسي على عمليّة لجنة الأمن والتّعاون في أوروبا في إطار هيكل أمني مناسب: منظّمة الأمن والتّعاون في أوروبا.

إذًا يمكن لعمليّة خاصّة بالخليج العربي على طراز لجنة الأمن والتّعاون في أوروبا – تشمل إيران، والعراق ودول مجلس التّعاون الخليجي السّتّ – أن تمهّد الطّريق نحو تعزيز نظام إقليمي مستقرّ. مع أنّ أمورًا كثيرة تفصل بين هذه الدّول اليوم، قد تؤدّي عمليّة تدريجيّة تبدأ ببساطة بعقدهم اجتماعات منتظمة حيث يمكنهم التّواصل بشأن تظلّماتهم الأمنيّة، إلى تطوّر علاقات أكثر تعاونيّة مع الوقت.

لكلّ من الولايات المتّحدة، وروسيا والاتّحاد الأوروبي دور حاسم يؤدّيه كي تترسّخ في الخليج العربي عمليّة على طراز لجنة الأمن والتّعاون في أوروبا. ويجب أن يستخدم الغرب نفوذه مع حلفائه في مجلس التعاون الخليجي لتشجيعهم على إشراك إيران. ففقط من خلال مثل هذه المحادثات الرّامية إلى ترسيخ نظام تعاون إقليمي شبيه بمنظّمة الأمن والتّعاون في أوروبا – حيث تأخذ القوى المحليّة في عين الاعتبار مصالح بعضها البعض وتتعاون ضدّ التّهديدات المشتركة – يمكن التوصّل إلى سلام دائم في الخليج العربي. ومن شأن مثل هذا السّلام أن يحقّق رؤية ترامب لشرق أوسطي يقلّ فيه التدخّل الأميركي ويضطلع فيه حلفاء الولايات المتّحدة بدور جوهري في الحفاظ على الأمن الإقليمي.

More from Seyed Hossein Mousavian

Recommended Articles