تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

السّوريّون النّازحون داخليًا يجدون مأوى، لكن قلّة من الأصدقاء، في اللاذقية

السّوريّون النّازحون داخليًا يشاركوننا رحلتهم من محافظة إدلب، حيث عانوا الأمرّين تحت حصار المعارضة، وصولاً إلى اللاذقيّة، حيث وجدوا المأوى والعداء في الوقت عينه.
A view shows collapsed buildings after what activists said was a U.S.-led air strike on Harem city in Idlib countryside November 7, 2014. REUTERS/Ammar Abdullah (SYRIA - Tags: POLITICS CIVIL UNREST CONFLICT) - RTR4DB3M

اللاذقية، سوريا – قالت مريم حسين، في وصفها للأهوال التي حلّت بحيّها قبل هروب عائلتها في منتصف اللّيل، "قالوا لنا إنّهم سيقتلوننا، وسيقتلون الأطفال بداخلنا".

داخل غرفة صفّ صغيرة حولّتها إلى منزل لها ولأطفالها الأربعة، تعيش مريم في كليّة الرّياضة في قلب مدينة اللاذقيّة منذ أربع سنوات، إلى جانب 262 آخرين من أفراد عائلتها الممتدّة الذين هربوا من منازلهم في حارم، إدلب بعد معارك عنيفة وحصار مروّع. فرض مقاتلو المعارضة الحصار على المنطقة في صيف العام 2011، وتطوّر على مدى الأشهر الـ18 التالية. 

حارم، التي كانت ذات يوم موطنًا لحوالي 22,000 شخص، أكثريّتهم من السّنّة، تقع على الحدود مع تركيا مباشرة. وعندما بدأت حركة الاحتجاج في العام 2011، بقي عدد كبير من أحياء حارم مواليًا للحكومة، بما في ذلك الحيّ الذي كانت تعيش فيه مريم وعائلتها.

وقالت، "لم يوجد في العالم ما هو أفضل من حياتنا في حارم. لم يكن ينقصنا شيء. كنّا كلّنا سعداء للغاية، نعمل في أراضينا في المنطقة".

لكن في أيار/مايو 2011، بدأت الاشتباكات في إدلب، وبحلول فصل الخريف من العام عينه، كانت قد اندلعت حرب كاملة. فقام المواطنون في حارم، بمن فيهم عدد كبير من أقارب حسين وزوجها، بحمل السّلاح والقتال إلى جانب القوّات الحكوميّة لحماية منازلهم من هجمات مقاتلي المعارضة. وبحلول نهاية العام 2011، كانت حارم نفسها تصبح معزولة أكثر فأكثر، بعد وقوعها تحت حصارات المعارضة عدّة مرّات.

بدأ الحصار الأخير قرابة شهر أيلول/سبتمبر 2012، وإنّ قوّات الدّفاع – المؤلّفة بشكل أساسي من المتطوّعين المحلّيّين، وقوّات الدّفاع الوطني وغيرهم من المجموعات الموالية للحكومة فضلاً عن وحدة صغيرة من الجيش السّوري – حصّنت نفسها في قلعة حارم التّاريخيّة والأحياء المجاورة لها، التي تبعد أقلّ من كيلومتر عن الحدود التّركيّة.

وذكرت مصادر محليّة أنّ عدد المدنيّين تحت الحصار آنذاك قارب 5,000 شخص، معظمهم من النّساء والأطفال.

وبحسب الحاج ابراهيم محمود، الشّيخ الذي يشرف على المجتمع المقيم في مجمّع اللاذقيّة، إنّ الجزء الأكبر من مقاتلي المعارضة الموجودين في البلدة انتمى إلى المجموعات الإسلاميّة كأحرار الشام، وجبهة النصرة التّابعة لتنظيم القاعدة (التي غيّرت اسمها الآن إلى جبهة فتح الشام) وحركة نور الدين الزنكي – المجموعة التي قطعت مؤخّرًا رأس صبي فلسطيني يبلغ من العمر 14 عامًا في حلب.

وقالت ضحى، ابنة مريم البالغة من العمر 10 سنوات، "أعضاء حركة نور الدين الزنكي كتبوا أسماءهم على الجدران في الحيّ".

وأضافت مريم، "كان الأمر أشبه بكابوس. كنّا نشاهد المقاتلين يعبرون الحدود مع تركيا ذهابًا وإيابًا، وكانوا يمطرون كلّ شيء علينا من هناك: قذائف الهاون، والرّصاص وكلّ شيء".

نقل مقاتلو المعارضة الأسلحة من تركيا لاستعمالها ضدّ سكّان حارم، وفرضوا الحصار على من رفض الانقلاب على الحكومة. وقالت مريم، "كانوا يرفضون السّماح لأيّ كان بالخروج، وكان أطفالنا يستيقظون باكين في اللّيل، وهم يتضوّرون جوعًا. وقد بقينا على هذا الحال إلى أن هربنا في النّهاية".

خسرت مريم 30 من أفراد عائلتها، من بينهم زوجها واثنين من إخوتها قتلوا فيما كانوا يدافعون عن حيّهم. وقالت، "أصيب زوجي في المعارك، ولم يسمح لنا بنقله من المنزل لأنّهم سيقتلونه، لذا اضطررنا للجلوس ومشاهدته يموت ببطء طوال فترة 14 يومًا".

وصفت ضحى كيف كانوا يعيشون تحت الحصار ويبقون أيّامًا بدون تناول الطّعام. وقالت، "كان الأمر مخيفًا للغاية، لم يكن بإمكاننا الخروج من شارعنا والطّعام الوحيد الذي كنّا نملكه هو البرغل".

وبحسب ما أفادت به مريم، حاولت الحكومة إلقاء المساعدات جوًّا، لكن في أغلب الأحيان كانوا يخطئون الهدف وكانت تقع الرّزم في مكان آخر أو يأخذها مقاتلو المعارضة في المنطقة.

بعد أشهر تحت الحصار، هرب السّكّان في منتصف اللّيل. ألبست مريم أطفالها الصّغار بسرعة، بمن فيهم ابنها جمعة الذي كان يبلغ من العمر ستّة أشهر فقط في ذلك الوقت، وتسلّلت خارج المنزل. وقالت، "تركنا كلّ شيء خلفنا. أوراقنا، ووثائق الهويّة والصّور. وغادرنا حرفيًا مع الملابس على ظهورنا فقط".

مشت عشرات العائلات لعدّة ساعات في الظّلام الدامس عبر الأرض الجبليّة الوعرة، وكانت ترفض التّوقّف عند أيّ نقطة خوفًا من أن يلحق بهم مقاتلو المعارضة ويذبحونهم.

واليوم، هم يعيشون جميعهم في كليّة الرّياضة بمدينة اللاذقيّة، وهو مبنى حوّلته الحكومة إلى مساكن موقّتة للنّازحين داخليًا. خلف الأبواب المعدنيّة الطّويلة نجد مبنى مؤلّفًا من ثلاثة طوابق؛ وبات كلّ صفّ الآن يأوي عائلة. يقومون بالطّهي في الأروقة ويوجد حمّام واحد في كلّ طابق تستعمله العائلات الـ52 المقيمة هناك.

لكن حتّى اللّجوء إلى اللاذقيّة كان صعبًا. فمع أنّ الحكومة تقدّم التّعليم، والكهرباء والمياه للمجمّع، فضلاً عن تسليم الرّزم الغذائيّة والأدوية بانتظام، يشعر القادمون من إدلب أنّهم غرباء في بلدهم.

فالأطفال بالكاد يغادرون المجمّع للّعب في المنتزهات خارجًا، ويفضّلون البقاء خلف الأبواب المعدنيّة واللّعب على الاسمنت الصّلب.

قال أديب البالغ من العمر 11 عامًا، "حلمي الوحيد هو العودة إلى منزلي في إدلب، حيث أنتمي"، موضحًا أنّ التواجد في اللاذقيّة "جميل، لكنّه ليس دائمًا جميلاً في الوقت عينه".

بحسب أرقام الحكومة المحليّة، ازداد عدد السّكان في اللاذقيّة من 1.25 مليون إلى 2.5 مليون نسمة بحلول نهاية العام 2015، بعد استضافة السّوريّين النّازحين من المناطق المجاورة بما فيها إدلب، وحلب وريف اللاذقيّة. وإنّ الذين فرّوا من إدلب يكافحون ليشعروا أنّهم في موطنهم، لكنّهم يقولون إنّ السّكان المحليّين في اللاذقيّة يبدون عداءً تجاههم.

يبدو أنّ العداء ليس نابعًا من الكراهية الطائفيّة بل من القضايا السّياسيّة وانعدام الثّقة المتزايد بأولئك الذين يأتون من مناطق المعارضة بصفتهم لاجئين.

قبل الحرب، شكّلت مدينة اللاذقيّة موطنًا لتنوّع سكّاني يتألّف تقريبًا من 700,000 علوي، ومسيحي وسنّي. وبعد أن اندلعت الحرب وبدأ النّازحون داخليًا بالانتقال إلى المحافظة، اشترى عدد كبير من بينهم الشّقق. وبحسب أحد التّقارير، بيعت 78,000 شقّة في اللاذقيّة للسّوريّين الذين غادروا حلب وإدلب.

قالت مريم، "هم يخافون منّا. بمجرّد أن يسمعوا لكنتنا، يوّجهون لنا الانتقادات. من المستحيل أيضًا أن تجد النّساء من بيننا أيّ وظيفة هنا، لأنّنا لا نبدو مثلهم ولا نلبس مثلهم، لذا لا أحد يرغب في توظيفنا"، مشيرة إلى أنّ لباسهنّ أكثر تحفّظًا ممّا ترتديه النّساء في مدينة اللاذقيّة.

وقالت مريم إنّ المساعدة الحكوميّة لا تكفي. "كلّ أسبوع، يسلّموننا 16 بيضة لعائلة من خمسة أشخاص، بالإضافة إلى كيلوغرام من البطاطا، والطّماطم واللّبن". وقالت إنّ هذا لا يكفي لإطعام أسرتها كما يجب، وأحيانًا يكون الطّعام سيّئًا.

وقالت، "قاتل زوجي وإخوتي إلى جانب الجيش، وإلى جانب الحكومة لحماية منازلنا، لكن بما أنّهم كانوا متطوّعين ولم ينتموا إلى أيّ من المجموعات الموالية للحكومة، لم تدفع الحكومة شيئًا لرعاية أسرهم بعد مقتلهم. أنا أريد أن أعمل، لكن لا أحد يرضى بتوظيفي". وتجدر الإشارة إلى أنّ أحد أقاربها يعمل كسائق تاكسي في سيّارة مستأجرة، ويستعمل دخله الضّئيل لتلبية احتياجات ثلاث عائلات.

حتّى الأطفال يواجهون مشاكل في المدرسة. تتعرّض الفتيات للتنمّر على أيدي أطفال آخرين، ويسخرون من ملابسهنّ أو يهزأون بهنّ لأنّهنّ من إدلب بكلّ بساطة.

وشرحت وهود البالغة من العمر 15 عامًا، "نبقى منعزلين معظم الوقت لأنّهم لا يتكلّمون معنا. وعندما يفعلون، يسخرون من ملابسنا ومن واقع أنّنا نرتدي الملابس عينها طوال الوقت".

وقالت، "لا نريد شيئًا سوى العودة إلى حارم".

More from Nour Samaha (Lebanon Pulse)

The Middle East in your inbox

Deepen your knowledge of the Middle East

Recommended Articles