تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

الصدام بين تركيا والاتحاد الأوروبي مسألة وقت فقط

أصدر الرئيس التركي رجب طيب أردوغان سلسلة تحذيرات مفادها أن تركيا ستتوقف عن استقبال اللاجئين العائدين من الاتحاد الأوروبي في حال لم يعمد الاتحاد إلى إلغاء تأشيرات السفر للأتراك، ما يؤشّر إلى أن الفريقَين يسلكان مساراً تصادمياً.
Turkey's Foreign Minister Mevlut Cavusoglu and EU Affairs Minister Volkan Bozkir (R) attend a joint news conference after a European Union-Turkey accession conference in Brussels, Belgium, December 14, 2015. REUTERS/Francois Lenoir - RTX1YNPC

أصبحت التحذيرات التي يوجّهها الرئيس التركي رجب طيب أردوغان بأن الاتفاق التركي مع الاتحاد الأوروبي حول اللاجئين سينهار إذا لم يبادر الاتحاد إلى إعفاء الأتراك من تأشيرات الدخول، أكثر تواتراً، لا بل شبه روتينية في الأيام الأخيرة، ما يؤشر إلى أزمة وشيكة وجدّية في العلاقات بين تركيا والاتحاد الأوروبي.

أدّت حال الطوارئ التي أعلنها أردوغان بعد نجاته من محاولة الانقلاب الفاشلة في 15 تموز/يوليو الماضي، إلى تعليق سلسلة من الحقوق والحريات الأساسية في تركيا، ما زاد من صعوبة تطبيق الإلغاء المزمع لتأشيرات السفر من جانب الاتحاد الأوروبي، وأدّى إلى التعجيل في سلوك الفريقَين مساراً تصادمياً. وتفاقم الخلاف بفعل عامل نفسي نتيجة شعور أردوغان بالغضب وعدم الثقة تجاه قادة الاتحاد الأوروبي الذين يعتبر أنهم لم يقدّموا له الدعم المناسب بعد الانقلاب.

منذ مطلع شهر آب/أغسطس الجاري، أصبح أردوغان أكثر تعنّتاً بصورة ملحوظة في تعامله مع المسألة، عبر إطلاقه تحذيرات، كل خمسة أيام في المعدل، بأن تركيا ستتوقف عن إعادة قبول اللاجئين في حال لم يعمد الاتحاد الأوروبي إلى إلغاء تأشيرات السفر للأتراك، ووصفت الصحافة التركية تحذيراته بأنها "مواجهة حاسمة".

وفي التحدّي الأحدث الذي أطلقه أردوغان في 12 آب/أغسطس الجاري، قال الرئيس التركي لقناة "آر تي إل" التلفزيونية: "تحرير تأشيرات الدخول والقبول باستقبال اللاجئين من جديد أمران بغاية الأهمية. هذه العملية جارية حالياً. لسوء الحظ، فشلت أوروبا في الوفاء بوعودها في هذا الصدد. علينا اتخاذ خطوات بصورة متزامنة. إذا تم [إلغاء تأشيرة السفر]، فهذا جيد. وإلا يؤسفني القول بأننا سنتوقف عن إعادة استيعاب اللاجئين". وكان قد أدلى بتصريحات مماثلة في الثاني والثامن من آب/أغسطس الجاري.

تستند تحذيرات أردوغان إلى اتفاق توصّلت إليه تركيا مع الاتحاد الأوروبي في 18 آذار/مارس الماضي، وبموجبه تعهّدت أنقرة بأن تستقبل من جديد جميع اللاجئين الذين يعبرون بطريقة غير شرعية من تركيا إلى اليونان بعد 20 آذار/مارس. وكان إلغاء تأشيرات الدخول للمواطنين الأتراك جزءاً من الاتفاق – من هنا الربط الذي يقيمه أردوغان بين الأمرَين. كان مقرّراً بدء العمل بإلغاء تأشيرات السفر في حزيران/يونيو، لكن لم يتحقق ذلك، وتُظهر كل المؤشرات الآن أنه لن يتحقق خلال العام الجاري.

في البداية، كان الاتحاد الأوروبي ينوي إلغاء تأشيرات الدخول للأتراك في تشرين الأول/أكتوبر 2016 في حال سار كل شيء على ما يرام بموجب اتفاق لتحرير تأشيرات السفر جرى توقيعه بين الفريقَين في 16 كانون الأول/ديسمبر 2013، أي قبل أكثر من عامَين من إبرام الاتفاق حول اللاجئين. تم إرجاء التنفيذ إلى حزيران/يونيو 2016، وأُدرِجت الخطة في اتفاق اللاجئين نتيجة جهود شخصية قام بها رئيس الوزراء التركي آنذاك أحمد داود أوغلو. وقد وافق الاتحاد الأوروبي لأن التوقيت الجديد لم يغيّر شيئاً في المعايير الـ72 التي يُفترَض بتركيا تطبيقها من أجل إلغاء تأشيرات السفر، وكانت أنقرة تدرك ذلك جيداً.

حتى الآن، استوفت تركيا 67 معياراً. يبدو أردوغان غير مستعدّ لتلبية المعايير الخمسة المتبقية، لكنه يريد من الاتحاد الأوروبي الإبقاء على إلغاء تأشيرات السفر – وهذا المطلب يكمن في جوهر الخلاف بين الطرفَين. الجزء الأهم في المعايير التي ترفض أنقرة التقيّد بها يقتضي إجراء تعديلات في قانون مكافحة الإرهاب التركي بما ينسجم مع معايير الاتحاد الأوروبي. هدف الاتحاد واضح جداً في هذا الإطار: تجريد السلطات الأمنية والقضائية التركية من إطار قانوني يجيز انتهاك الحقوق والحريات الأساسية، وبالتالي التأكّد من أن الإعفاء من تأشيرات الدخول لن يشجّع الأتراك المضطهَدين على طلب اللجوء السياسي في بلدان الاتحاد الأوروبي. إذاً المنطق الذي يتّبعه الاتحاد هو حماية نفسه في مواجهة موجة جديدة محتملة من الهجرة من شأن الإعفاء من التأشيرة أن يساهم في تسهيلها فيما تستمر القوانين القمعية والتقييدية على حالها.

تجدر الإشارة إلى أن اثنَين من المعايير الأربعة الأخرى التي يرفض أردوغان التقيّد بها تتطلب إجراء تعديلات قانونية للانسجام مع معايير الاتحاد الأوروبي حول مكافحة الفساد وحماية البيانات الشخصية.

لكن لا بد من التذكير بأن تهديدات أردوغان بإلغاء اتفاق اللاجئين لم تبدأ بعد انقلاب 15 تموز/يوليو. وُقِّع اتفاق 2013، مع شروطه الـ72، في أنقرة بحضور أردوغان، لكنه قال في أيار/مايو الماضي: "تحدّثوا عن 72 نقطة وأمْلوا علينا ما يجب فعله. هذه رواية جديدة. لم تكن هذه [الشروط] موجودة من قبل. من أين أتت؟"

في الأيام التي سبقت الانقلاب، كانت الذريعة التي استخدمها أردوغان لرفض المعايير الخمسة الحرب الشاملة التي شنّتها أنقرة على "حزب العمال الكردستاني" في تموز/يوليو 2015. فقد اعتبر أنه من شأن تعديل قوانين مكافحة الإرهاب في أوج القتال ضد "حزب العمال الكردستاني" أن يصبّ في مصلحة مقاتلي الحزب. واليوم، لديه سبب أقوى بعد ليتمسّك بموقفه: مواصلة عمليات التطهير والقمع الواسعة التي تُشَنّ بلا هوادة ضد مجموعة غولن – التي تسمّيها تركيا رسمياً "تنظيم فتح الله غولن الإرهابي" – التي تُتَّهم شبكتها العسكرية بالتخطيط للانقلاب وتنفيذه.

في ظل حال الطوارئ، باتت تركيا تُحكَم عن طريق المراسيم التشريعية غير الخاضعة للضوابط الدستورية، مع ممارسة مزيد من القمع للحريات وتوقيف العمل بـ"الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان". إذاً ابتعدت تركيا أكثر فأكثر عن الاتحاد الأوروبي، ولا يُتوقَّع منها على الإطلاق تلبية الشروط المتبقّية من أجل تطبيق الإعفاء من تأشيرات الدخول.

في غضون ذلك، يقبع عشرات آلاف الأشخاص في الحجز لدى الشرطة أو في السجون، أو خسروا وظائفهم وتمت مصادرة أملاكهم مع الحملة الهمجية التي تُشَنّ ضد أتباع غولن في مؤسسات الدولة والحياة العامة، والتي تهدّد بنزوح اللاجئين السياسيين نحو أوروبا.

باختصار، عزّزت ظروف ما بعد الانقلاب الأسباب التي تدفع الاتحاد الأوروبي إلى الإبقاء على القيود على تأشيرات الدخول، فيما يزداد أردوغان تصلّباً في مطالبته بإلغاء التأشيرات. ما دامت الأوضاع مستمرّة على هذه الحال، ليس تفجُّر أزمة حادة بين تركيا والاتحاد الأوروبي سوى مسألة وقت.

More from Kadri Gürsel

Recommended Articles