معظم المتابعين للحرب السوريّة يعرف أنّ أطرافها المسلّحة موزّعة بين جيش النّظام والفصائل المعارضة المختلفة والإسلاميّين من "داعش" و"النّصرة" وغيرها، وصولاً إلى المجموعات الكرديّة مثل حزب العمال الكردستاني ومسلحو قوات الإدارة الذاتية الكردية، لكنّ قلّة من الناس تعرف أنّ في سوريا، إلى جانب كلّ تلك المجموعات، ميليشيا مسيحيّة مسلّحة، تقاتل على أكثر من جبهة، وتقوم بحماية أصغر الأقليّات السوريّة المهدّدة بالزوال.
أحيقار عيسى، وهو أحد مسؤولي هذه الميليشيا، التقاه موقعنا في بيروت، حيث روى قصّة القوّة المسلّحة الّتي ينتمي إليها وأهدافها وما يمكن أن يحكى عن أخبارها وأسرارها. ويقول عيسى بداية، أنّه سوريّ أوّلاً، ومسيحيّ سريانيّ - أرثوذكسيّ ثانياً، أيّ أنّه كما يؤكّد ويفتخر، من تلك الجماعات الأصيلة الّتي وجدت في سوريا منذ ألفي عام، أيّ قبل كلّ الجماعات الأخرى الّتي حلّت في سوريا بعدها، وهذا ما يدفع عيسى وجماعته إلى التمسّك بهويّتهما وأرضهما وإلى حمل السلاح دفاعاً عنهما.
يعيش عيسى في منطقة "الجزيرة السوريّة"، وهي المنطقة الّتي تشكّل الحدود السوريّة الصحراويّة مع العراق وتركيا أيّ المنطقة الممتدّة إداريّاً على أكثر من محافظة سوريّة، من دير الزور والرقّة، وصولاً إلى الحسكة والقامشلي. يروي المقاتل السريانيّ السوريّ أنّ أبناء المذاهب المسيحيّة المختلفة، الّذين يعيشون في هذه المناطق، كانوا حتّى اندلاع الحرب السوريّة في منتصف عام 2011، نحو 250 ألف مسيحيّ، ولم يبق منهم اليوم إلاّ نحو مئة ألف مسيحيّ، والباقون تركوا بيوتهم وقراهم قسراً، هرباً من الاضطهاد والموت، على يدّ أكثر من طرف وخصم وعدوّ. وبحسرة كبيرة، يؤكّد عيسى أنّ أغلبيّة الأشخاص الّذين تركوا مناطقهم من هؤلاء المسيحيّين، هاجروا في شكل شبه نهائيّ إلى خارج سوريا، خصوصاً إلى أوروبا الشماليّة وفي السويد ، حيث هناك جالية مسيحيّة سوريّة كبيرة نشأت منذ عشرات الأعوام. أمّا الّذين اكتفوا بالنزوح من مناطقهم غير الآمنة إلى مناطق أخرى أكثر أماناً داخل سوريا، فهم أقليّة قليلة، وهو ما يعدّ مؤشّراً سلبيّاً حيال المستقبل، وحيال قدرة هذه الجماعة السوريّة الأصيلة، على استعادة وجودها وحضورها، حتّى بعد نهاية الحرب السوريّة، إذا ما قدّر لهذه الحرب أن تنتهي.
ويتابع عيسى أنّ حمل المسيحيّين للسلاح بدأ في منطقة الجزيرة السوريّة تدريجيّاً، منذ اندلاع الأحداث وبداية انكفاء الدولة السوريّة ومؤسّساتها عن الحضور الفاعل في تلك المناطق الشرقيّة النائية من سوريا، والّتي يبعد بعضها عن دمشق نحو ألف كيلومتر، غير أنّ حمل المسيحييّن للسلاح في شكل علنيّ ومستقلّ صار واجباً ضروريّاً بعد قيام "داعش" وإعلانها الخلافة في أواخر حزيران/يونيو من عام 2014 وانتشارها في محافظتي الرقّة أوّلاً، ودير الزور ثانياً، وصولاً إلى تهديدها مناطق سوريّة أخرى في الحسكة والقامشلي، وهو ما تأكّد أكثر بعد تمدّد "داعش" من الجهة العراقيّة المقابلة في الموصل وسهل نينوى وتهجيرها لكلّ المسيحيّين في تلك المناطق واقتلاعهم الكامل من أرضهم، بين حزيران/يونيو وآب/أغسطس من عام 2014. وهكذا، يقول عيسى لموقعنا، بعد ارتكابات "داعش" وغيرها من الإسلاميّين التكفيريّين، بدا واضحاً أنّ الّذين صمدوا من السوريّين المسيحيّين في أرضهم، ولم ينزحوا أو يهاجروا، قرّروا القتال بكلّ ما لديهم من وسائل، فبدأ تسلّحهم. من أين جاء السلاح والذخيرة؟ يجيب عيسى أنّهما باتا موجودين بسهولة في كلّ مكان، ويمكن شراؤهما من كلّ المناطق الّتي غابت عنها الدولة السوريّة، فضلاً عن انفتاح الحدود مع كردستان العراقيّة والعراق، على عمليّات التّهريب للسلاح وذخيرة وعتاد عسكري للقتال.
AL-MONITOR All-Access gives you unlimited access to all our journalism, the full Daily Briefing, exclusive interviews, premium newsletters, and live events — for less than $2/week.