تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

"فتح" تتدرّب عسكريّاً في غزّة... هل يعني العودة إلى المقاومة المسلّحة؟

الخلافات السياسيّة بين حركتي "حماس" و"فتح"، لم تضع معوقات أمام رغبة عناصر "فتح" المسلّحين للتدرّب والتسلّح في غزّة، في شكل يظهر تأييد "حماس" لأيّ مجموعات ترغب في مقاتلة إسرائيل من جانب، ويظهر من جانب آخر وجود حال من التمرّد بين عناصر "فتح" على نبذ زعيمها الرّئيس الفلسطينيّ محمود عبّاس لخيار المقاومة المسلّحة.
Palestinian militants from al-Husine brigade loyal to Fatah movement is seen during a military-style exercise graduation ceremony in Khan Younis in the southern Gaza Strip, September 20, 2015. REUTERS/Suhaib Salem  - RTS20TV

مدينة غزّة، قطاع غزّة - رغم الحظر الّذي تفرضه حركة "حماس" على نشاطات حركة "فتح" في قطاع غزّة منذ السيطرة على الحكم في حزيران/يونيو من عام 2007، وتصاعد الخلافات السياسيّة بين الحركتين، إلاّ أنّ العلاقة العسكريّة على أرض الواقع تبدو مختلفة، فكتائب شهداء الأقصى الذراع العسكريّة لحركة "فتح"، تمارس تدريباتها العسكريّة في غزّة بحريّة واسعة ومن دون عوائق.

وثمّة تساؤلات تثير الجدل حول طبيعة العلاقة القائمة بين كتائب شهداء الأقصى وحركة "حماس"، وطبيعة تبنّي هذه الكتائب لخيار المقاومة المسلّحة، رغم رفض الرّئيس الفلسطينيّ وزعيم حركة "فتح" محمود عبّاس الكفاح المسلّح ضدّ إسرائيل.

لقد تأسّست كتائب شهداء الأقصى في حقبة الرّئيس الرّاحل ياسر عرفات، عشيّة اندلاع الانتفاضة الفلسطينيّة الثانية في 28 أيلول/سبتمبر من عام 2000 لتنفيذ عمليّات عسكريّة ضدّ أهداف إسرائيليّة، لكنّ محمود عبّاس أعلن في تمّوز/يوليو من عام 2007، حلّ هذه الكتائب، وهو الأمر الّذي قوبل برفض كبير في صفوفها، وحدوث انشقاقات واسعة فيها، وإعادة تشكّل خلاياها العسكريّة في غزّة بأسماء منبثقة عنها، مثل "كتائب الشهيد عبد القادر الحسيني".

واحتفلت كتائب الشهيد عبد القادرالحسيني في 22 أيلول/سبتمبر من عام 2015، بتخريج دورة عسكريّة ضمّت عشرات المقاتلين في أحد المواقع العسكريّة في مدينة خانيونس - جنوب قطاع غزّة. ونفّذ المقاتلون خلالها مناورة عسكريّة تحاكي اقتحام مواقع إسرائيليّة باستخدام أسلحة وقذائف مختلفة.

وأكّد أبو الوليد، وهو المتحدّث العسكريّ باسم كتائب الشهيد عبد القادر الحسيني، أنّ كتائبه الّتي انطلقت في 8/4/2012 تعدّ ذراعاً من أذرع حركة "فتح" المنبثقة عن كتائب شهداء الأقصى، وتتّخذ من فكرة تحرير كامل فلسطين من البحر المتوسّط غرباً وحتّى نهر الأردن شرقاً مبدأ لها.

وأوضح في حديثه لـ"المونيتور" أنّ قادة هذه الكتائب هم مؤسّسون سابقون لكتائب شهداء الأقصى، وقال: "إنّ عدد المقاتلين في صفوف هذه الكتائب يبلغ 700 مقاتل في غزّة، فيما هناك قاعدة جماهيريّة تقدّر بالآلاف تنتمي إليها من دون المشاركة في عملها العسكريّ".

وأشار أبو الوليد إلى أنّ حركة "حماس" لا تعيق تدريباتهم وعملهم العسكريّ في غزّة، وأنّ العلاقة معها مبنيّة على أرضيّة الهدف الواحد وهو تحرير فلسطين، لافتاً إلى أنّ التّنسيق بينهما "لا يزال سطحيّاً"، وقال: "نعمل في غزّة من دون إذن من أحد".

ومن جهته، أكّد القياديّ في "حماس" يحيى موسى أنّ حركته تقدّم الدعم اللاّزم إلى أيّ فصيل أو جهة تريد مقاتلة إسرائيل، وقال لـ"المونيتور": "إنّ حماس تحتضن المقاومة، ولا تستطيع منع أحد من ممارستها ضدّ الاحتلال بغض النّظر عن الانتماء السياسيّ، وأيّ جهة تريد مقاتلة إسرائيل هي في خندقنا".

وأوضح أنّ أذرع حركة "فتح" العسكريّة في غزّة لم تتأثّر بالخلافات السياسيّة المتفاقمة بين الحركتين (فتح وحماس)، وقال: "من حقّ الفصائل أن تتسلّح، وأن تتدرّب، وأن تكون لها مواقعها العسكريّة، ولكن كلّ ذلك يتمّ تحت رعاية الحكومة في غزّة".

وعن احتمال استخدام سلاح هذه الكتائب ضدّ "حماس" مستقبلاً، قال يحيى موسى: "كتائب شهداء الأقصى هي جزء من جيش التّحرير الوطنيّ الّذي نعدّ له لتحرير فلسطين. ولا أعتقد أنّه من الممكن أن يرتد هذا السلاح وتلك التدريبات الّتي تقوم بها على حركة حماس، أو أن تستخدّم لتقويض الأمن في غزّة، لأنّنا على ثقة بأنّ بندقيّة المقاوم لها وجهة واحدة، وهي الاحتلال الإسرائيليّ".

ومن جهته، أشار أستاذ العلوم السياسيّة في جامعة الأزهر بغزّة طلال عوكل إلى أنّ المجموعات العسكريّة المنتمية إلى حركة فتح والعاملة في غزّة "تعدّ منبثقة من كتائب الأقصى الّتي حلّها محمود عبّاس، وتعمل في موقع معارض لرغبته المضادّة للمقاومة المسلّحة، ولكنّها تحاول الاستمرار تحت إطار حركة فتح"، وقال لـ"المونيتور": "هذه الكتائب ليست ذات قيادة مركزيّة موحّدة، وذات إمكانيّات محدودة. كما أنّها ترفض النّهج الفاسد الّذي تنتهجه السلطة الفلسطينيّة، وتحاول إظهار نفسها من خلال عمليّات عسكريّة تنفّذها ضدّ أهداف إسرائيليّة، وإثبات أنّ حركة فتح لم تغادر الكفاح المسلّح".

ولا يترك عبّاس مناسبةً إلاّ ويؤكّد خلالها رفضه المطلق للمقاومة المسلّحة ضدّ إسرائيل، وتأييده للمقاومة السلميّة والديبلوماسيّة فقط، وكان آخرها قوله أمام صحافيّين خلال زيارته لتونس في 15 أيّار/مايو من عام 2015: "نحن ننتهج اليوم سياسة الديبلوماسيّة وليس الكفاح المسلّح، لأنّه لا يفيد ويرتدّ علينا بنتائج عكسيّة كبيرة لا نريدها ولا نقبلها".

وكذلك، أكّد مصدر قياديّ داخل "فتح" في غزّة أنّ هذه الكتائب تعمل في غزّة بموافقة وإدارة غير رسميّة من "فتح"، وتحصل على تمويلات شخصيّة من داخل فلسطين وخارجها، بعيداً عن الموازنة العامّة للحركة ومن دون علم زعيمها محمود عبّاس.

وقال المصدر الّذي طلب عدم الكشف عن اسمه لـ"المونيتور": "فتح لم تسقط من برنامجها خيار الكفاح المسلّح، بل جمّدته خلال السنوات الماضية عندما كان التوجّه قائماً نحو المفاوضات السلميّة مع إسرائيل، ولكن مع فشل هذه المفاوضات تسعى الحركة اليوم إلى إعادة تفعيل المقاومة المسلّحة في صفوفها العسكريّة".

أمّا طلال عوكل فاستبعد جديّة إعادة تفعيل المقاومة المسلّحة لدى "فتح"، إذ قال: "هذا حديث مبالغ فيه، وعودة فتح إلى تبنّي خيار المقاومة المسلّحة بشكل معلن لن يكون قريباً، لأنّ هذا الأمر يحتاج إلى انقلاب في سياستها الداخليّة. وطالما بقي الرّئيس عباس موجوداً على رأس هذه الحركة، أعتقد أنّه من الصعب القول إنّ فتح بدأت تتّجه نحو الخيار العسكريّ".

ومن جهته، قال أبو الوليد: "إنّ النظام الداخليّ لحركة فتح، يشرّع لنا المقاومة المسلّحة، ولا يمكن للرّئيس عبّاس سحب هذا الخيار من بين أيدينا".

وأشار إلى أنّ كتائبه كانت صاحبة الدور الأوّل والأسبق في الردّ على جريمة المستوطنين في حرق المراهق محمّد أبو خضير في مدينة القدس وقتله في السابع من يوليو 2014، وقال: "كنّا أوّل من أطلق صاروخاً تجاه إسرائيل ردّاً على هذه الجريمة الّتي أشعلت الحرب الأخيرة على غزّة. كما أنّ أوّل قادة عسكريّين تمّ اغتيالهم في إطار هذه الحرب في السادس من يوليو 2014، هم من قادة كتائب الشهيد عبد القادر الحسيني، وهما القائد العسكريّ للمحافظة الوسطى مازن الجربة وقائد الوحدة الصاروخيّة في المحافظة ذاتها مروان إسليم".

والواضح، أنّ "حماس" في غزّة تدعم كلّ من يؤمن بخيار المقاومة المسلّحة وتمنحه مساحة للعمل حتّى لو كان خصماً سياسيّاً. كما يظهر جليّاً أنّ هناك إيماناً متزايداً بين عناصر "فتح" بضرورة تفعيل الكفاح المسلّح من جديد، رغم اعتراض عبّاس على ذلك.