تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

السعودية للبنان: "إلغاء" الهبة وترحيل لبنانيين ومغادرة عسيري ؟

Lebanese army soldiers stand next to displayed weapons that they received during a ceremony at Beirut airport airbase April 20, 2015. The first shipment of French weapons and military equipment arrived in Lebanon on Monday under a Saudi-funded deal worth $3 billion to bolster the Lebanese army's fight against militants encroaching from neighboring Syria. (From L to R) The national flags of Saudi Arabia, Lebanon and France are displayed during the ceremony. REUTERS/Mohamed Azakir  - RTX19H2B

بيروت — مع تسلم الملك سلمان بن عبد العزيز مقاليد الحكم في المملكة العربية السعودية في 23 كانون الثاني 2015 والذي ترافق مع تغييرات في التركيبة الحكومية والأميرية وُصفت حينها بالأكبر في تاريخ المملكة، بدأت تُطرح تساؤلات حول تأثير هذه التطورات الداخلية السعودية على المشهد الاقليمي وعلى العلاقات الخارجية للمملكة. وحينها، أجمع المراقبون والمحللون على ان الوقت وحده سيكون كفيلاً بكشف تأثُر السياسة الخارجية للسعودية، خصوصاً مع دول المنطقة، بهذه التغييرات من عدمه... حتى، بان المؤشر الاول في 29 نيسان 2015 مع اجراء الملك سلمان تعيينات جديدة كانت بالغة الدلالة وجعلت المراقبين يقفون امامها، خصوصاً انها شملت إعفاء الأمير مقرن بن عبد العزيز من مَنصبَي ولي العهد ونائب رئيس مجلس الوزراء اللذين كان عُين فيهما من ضمن تغييرات كانون الثاني 2015، وهو ما رأى فيه اكثر من طرف مؤشراً مهماً في ظل تأثُر السياسة اللبنانية بالدول الاقليمية الكبرى ومن بينها السعودية، وخصوصا ان بعض المسؤولين السياسيين في لبنان خصوصا من الطائفة السُنية، وفي مقدمهم وزير العدل الحالي اشرف ريفي يتماهون مع الخط السياسي الذي يمثله الامير بندر.

مصادر دبلوماسية رفيعة جداً كشفت لـ"المونيتور" ان سلسلة قرارات سعودية بدأت تنذر بتغييرٍ في تعاطي المملكة مع لبنان. أوّلُها واهمُها إصدار الملك سلمان مرسوماً ملكياً يطلب فيه من وزير الدفاع السعودي ابلاغ السلطات اللبنانية ان هبة الثلاثة مليارات دولار التي منحتها المملكة الى لبنان في كانون الاول 2013 بهدف تجهيز جيشه، خلال عهد الملك الراحل عبد الله بن عبد العزيز، قد "اُلغِيت". اما السبب الذي أعطي للبنان، على حد تعبير هذه المصادر، ان هذه الهبة العسكرية التي كانت أُقرت بالتنسيق بين رئيس الديوان الملكي السعودي السابق خالد بن عبد العزيز بن التويجري – الموضوع حالياً في ما يشبه الإقامة الجبرية ويخضع منذ 20 حزيران 2015 لاستجواب حول كل التحويلات المادية والمالية التي تمت خلال عهد الملك الراحل، وبين الرئيس اللبناني السابق ميشال سليمان وثلاثة من ابناء الملك السابق، كانت هبة شخصية من الاموال الخاصة للملك عبد الله، وهي ليست مدرجة او حتى مذكورة ضمن وثائق وزارة الدفاع السعودية التي بُلغت بها في وقت لاحق من اجل متابعتها.

واضافت السلطات السعودية ان اي استفسار حول الهبة يجب ان يتم لدى عائلة الملك عبدالله. وفي المعلومات ايضاً ان الملك سلمان طلب من الرئيس الفرنسي فرنسوا هولاند وقف كل الخطوات المتعلقة بهذه الهبة بما انها "غير محتسبة" ضمن نفقات وزارة الاقتصاد السعودية.

وتتابع المصادر ان الجهات اللبنانية تُبقي هذا الامر طي الكتمان في ظل تواصل الاتصالات بين مختلف الاطراف وحتى تنتهي التحقيقات الجارية في الرياض.

خطوة اخرى اقدمت عليها المملكة لا تقل خطورة عن الاولى، وهي طلب السلطات السعودية من اكثر من 300 عائلة لبنانية شيعية ومسيحية مغادرة المملكة بحلول نهاية العام الحالي بعدما أبلغتها بأن إقاماتها لن تُجدد، علما ان هذه العائلات موجودة على اراضي المملكة منذ اكثر من 10 أعوام.

مؤشر آخر الى تغيير السياسة السعودية تجاه لبنان تحدثت عنه المصادر. فوسط ما نشر في وثائق "ويكيليكس" عن تمويل السعودية لجهات سياسية واعلامية لبنانية، وفي ظل تزايد طلبات التمويل الموجهة الى السفير السعودي في لبنان علي عواض عسيري، ما زاد من حدة الوضع، طلب الاخير توجيهات من بلاده حول كيفية التعاطي مع هذا الموضوع، فجاءه الجواب بأن يترك منصبه في لبنان ويعود الى المملكة، على ان تُسلّم رئاسة البعثة الى القائم بأعمال السفارة ريثما يتم تعيين سفير جديد. وربطت المصادر قرار نقل عسيري في هذا التوقيت بهذا الملف المالي، بعدما كانت مُددت اقامته رغم إنتهاء مهامه في آب 2014، وقيل حينها ان سبب هذا التمديد هو عدم وجود رئيس للجمهورية لقبول اوراق اعتماد السفير الخلف، بالاضافة الى حرص المملكة على عدم ادخال موقع رئاسة بعثتها في لبنان في الفراغ. وهنا سألت المصادر: الفراغ في موقع رئاسة الجمهورية اللبنانية ما زال مستمراً وما زالت امكانية قبول اعتماد اوراق سفير جديد غير متاحة، فما الذي تغير الآن حتى قررت السعودية حصر تمثيلها الدبلوماسي في بيروت بقائم بالاعمال بينما كانت ترفض هذا الامر منذ عام؟

هذه الخطوات الثلاث، في حال اصرت المملكة على تنفيذها، لا شك انها ستترك اثراً سلبياً كبيراً على لبنان معنوياً ومادياً، أكان على مستوى تسليح ودعم جيشه الذي يخوض معارك شرسة ضد الارهاب، او اقتصادياً عبر ترحيل مئات العائلات التي تبحث عن لقمة العيش الى بلدها، او سياسياً عبر تخفيض مستوى تمثيلها الدبلوماسي في بيروت. وكل هذا رأت فيه المصادر رسالةَ قوية تقصد المملكة توجيهها الى لبنان، حكومة وفرقاء سياسيين، عنوانُها: "اكثرُ من ورقةِ ضغطٍ بيد السعودية للاستخدام في الانتخابات الرئاسية اللبنانية".