تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

ليبيا: مأساة ما بعد الثورة والانتصار

Libyans celebrate the fourth anniversary of the revolution against Muammar Gaddafi at Martyrs' Square in Tripoli, February 17, 2015. REUTERS/Ismail Zitouny (LIBYA - Tags: POLITICS CIVIL UNREST ANNIVERSARY) - RTR4PZQO

بيروت - قبل أيّام، قام وكيل وزارة الإعلام الليبيّة، أيّ الوزير وفق التسمية المعتمدة اليوم في طرابلس الغرب، هيثم الهادي كاموكا، بزيارة إلى بيروت استمرّت بضعة أيّام، بين 12 و16 أيّار/مايو الجاري. وكان لموقعنا لقاء معه، أضاء خلاله على أوضاع ليبيا اليوم، كما على خلفيّات الأزمات الكبيرة التي يعيشها هذا البلد المنسيّ منذ أربعة أعوام ونيّف، بعدما اعتقد أهله والعالم، أنّه أنجز ثورته وارتاح!

يشرح كاموكا إلى موقعنا بداية أنّه عضو في حكومة الإنقاذ الوطنيّ، التي تسيطر على مناطق ليبيا الشماليّة الغربيّة، خصوصاً إقليم طرابلس الذي يضمّ عاصمة البلاد، وهي الحكومة التي تمدّ سيطرتها على القسم الأكبر من ليبيا، مع وجود قوى أخرى تسيطر على إقليم برقه شرقاً، وعاصمته بنغازي، وقوى أخرى تسيطر على إقليم فزان جنوباً وعاصمته سبها. ويروي مسؤول وزارة الإعلام في حكومة طرابلس إلى موقعنا، أنّ الثورة التي انتصرت على الديكتاتور الليبيّ السابق معمّر القذّافي، ورثت أصلاً أشلاء دولة، حيث لا هيكليّة دولة، ولا اقتصاد، ولا مجتمع. لم تكن هناك غير أجهزة بوليسيّة وعائدات نفطيّة تعود مباشرة إلى الزعيم، الذي كان يوزّعها على رعاياه لضمان صمتهم وولائهم. ويتابع كاموكا، أنّ عقبة أساسيّة واجهت حكومته، هي كيفيّة إعادة تنظيم القطاع العامّ في ليبيا، إذ تبيّن لها أن أكثر من ربع سكّان ليبيا، كان القذّافي قد جعل منهم موظّفين حكوميّين، وذلك من أجل شراء ذممهم ورشوتهم برواتب عالية، مقابل عدم قيامهم بأيّ عمل. كان أكثر من مليون ونصف ليبيّ، من أصل نحو ستّة ملايين يشكّلون مجموع الليبيّين، يعملون لدى ما كان يومها دولة القذّافي. وكانت موازنة رواتبهم السنويّة أكثر من ثمانية مليارات دولار أميركيّ. كلّ ذلك من دون أن تكون هناك دولة ولا قطاع عامّ جديّ يخدم المواطنين. ويتابع كاموكا: "اكتشفت حكومتنا مثلاً أنّ لدينا نصف مليون مدرّس في مدارس حكوميّة لا وجود لغالبيّتها أصلاً، ولا وجود لطلّاب فيها. كلّ ذلك كان جزءاً من شبكة استتباع الناس للسلطة وضمان ولائهم لها. لا بل اكتشفنا أنّ عدداً كبيراً من هؤلاء الموظّفين كانوا يتسجّلون كعاملين في أكثر من وظيفة، من أجل تقاضي أكثر من راتب واحد من الدولة الليبيّة. وهو ما جعلنا ندرك أنّ ما فاقم ديكتاتوريّة السلطة، هو فساد المستفيدين منها. اكتشفنا حالات حيث كان شخص واحد يتقاضى 52 راتباً من 52 دائرة حكوميّة مختلفة، يدّعي أنّه موظّف فيها كلّها، فيما هو لا يقوم فعليّاً بأيّ عمل". ويضيف كاموكا: "لذلك، بات لنا اليوم واقع مكشوف على بطالة ملحوظة، علماً أنّنا تمكّنّا من تخفيض عدد موظّفي القطاع العام إلى 800 ألف شخص. وهو رقم لا يزال مرتفعاً. لكنّها خطوة أولى في اتّجاه إعادة تنظيم الدولة وهيكلة إدارتها".

ويقول الوزير الليبي لموقعنا، أن لا خوف في المقابل على اقتصاد بلاده، فليبيا بلد غنيّ جدّاً بالثروات، من النفط، إلى المعادن، إلى الزراعة، إلى البنية التحتيّة السياحيّة مع وجود آثار تاريخيّة هائلة. ثمّ أنّ وجود بلاده عند النقطة الأقصر بين شمال أفريقيا وأوروبّا، يجعلها في موقع استراتيجيّ للعب أدوار اقتصاديّة مهمّة جدّاً بين ضفّتي المتوسّط. غير أنّ هاتين المسألتين في الذات، ثروات ليبيا وموقعها، هما ما جعلاها تعاني ما تعانيه منذ أربعة أعوام ونيّف، يقول كاموكا. إذ يعتبر أنّ هذه العوامل هي التي فتحت الشهيّة لأطماع القوى الخارجيّة في بلاده. ويقول لموقعنا: "معروف تاريخيّاً أنّ ليبيا كانت موزّعة بين أقاليمها الثلاثة. وتاريخيّاً أيضاً، كان للفرنسيّين نفوذ في منطقة فزان الجنوبيّة. وهو ما تحاول باريس استعادته اليوم". ويشرح الوزير الليبيّ أنّ حكومته تعتقد أنّ فرنسا تسعى جديّاً إلى ضرب وحدة الأراضي الليبيّة، وإلى العمل على تقسيمها إلى ثلاث دول، حيث تترك طرابلس وإقليمها دولة صغيرة، وتكون هي صاحبة الوصاية الدوليّة على دولة ثانية تقوم في فزان. غير أنّ باريس، في اعتقاد الوزير الليبيّ دائماً، تسعى في الوقت نفسه إلى تغيير الخريطة الجغرافيّة لتلك الأقاليم الثلاثة، حيث تضيف إلى إقليم فزان في الجنوب، ممرّاً يربطه بمدينة سرت على المتوسّط، فيكون للدولة الجديدة التي تخطّط فرنسا لرعايتها، مرفأ بحريّ هو الأقرب إلى أوروبّا. ويتابع الوزير الليبي: "في مقابل هذا المخطّط الفرنسيّ، تحاول باريس منح الإقليم الثالث من بلادنا، أيّ إقليم برقه في الشرق وعاصمته بنغازي، إلى الوصاية المصريّة، حيث يكون دولة ثالثة تهيمن عليها القاهرة. ويشرح كاموكا، أنّ التدخّلات المصريّة والخليجيّة قائمة أصلاً في ذلك الإقليم المحاذي للأراضي المصريّة. وتعمد هذه التدخّلات إلى تسليح جهّات أصوليّة إسلاميّة عدّة هناك. فمصر، في رأي المسؤول الليبيّ، تهدف من وراء ذلك إلى إبقاء عدم الاستقرار سيّد الوضع في ليبيا، وذلك تحقيقاً لأطماعها التاريخيّة في الشرق الليبيّ. فهي تأمل في أن تسهّل لها زعزعة الوضع الأمنيّ والسياسيّ هناك في شكل مزمن، في لحظة ما، وضع يدها على قسم من الأراضي الليبيّة وضمّها إلى مصر، فيما يتقاطع معها بعض أنظمة الخليج في دعم القوى الإسلاميّة الأصوليّة هناك، من محاربة الإخوان المسلمين، الذي تحالفوا مع قوى أخرى في تكوين حكومة الإنقاذ في طرابلس الغرب. فأنظمة الخليج تعتبر تنظيم الإخوان عدوّاً لها. وهي تدعم جهّات إسلاميّة أصوليّة أخرى، مثل السلفيّين والأصوليّين، من أجل محاربة الإخوان. وهذا ما جعل أهداف هذه الأنظمة، تتقاطع مع أهداف مصر في شرق ليبيا. فالنظام المصريّ الراهن معادٍ أيضاً للإخوان، فيما هؤلاء حلفاء للحكومة الليبيّة القائمة في طرابلس.

الصورة الراهنة قاتمة في ليبيا، يعترف المسؤول الليبيّ لموقعنا. لكنّه يؤكّد تمسّك حكومته بالأمل والتفاؤل. حتّى أنّه يدعو موقعنا إلى زيارة طرابلس الغرب، للتأكّد بأمّ العين، من أنّ ليبيا مزدهرة، ممكنة كمشروع للمستقبل، والأهمّ أنّها ضرورة حيويّة لأوروبّا، وإلّا ستستمرّ في رأيه موجات المهاجرين والإرهابيّين من شمال أفريقيا إلى شواطئ القارّة العجوز.

More from Jean Aziz (Lebanon Pulse)

Recommended Articles