كشفت مصادر دبلوماسيّة لبنانيّة لموقعنا، أنّ تطابقاً كاملاً في وجهات النظر ساد بين المسؤولين اللبنانيّين والأرجنتينيّين حول الملفّ العالق منذ أكثر من عشرين عاماً بين بيونس إيرس وبعض عواصم الشرق الأوسط. وهو الملفّ المتمثّل في قضيّة تفجير السفارة الإسرائيليّة في العاصمة الأرجنتينيّة عام 1992. وهو الانفجار الذي استهدف السفارة الاسرائيلية في بيونس إيرس، في 17 آذار 1992، بواسطة سيارة مفخخة يقودها انتحاري. وقد أدى التفجير إلى سقوط 29 قتيلاً و242 جريحاً. وأكّدت المصادر التي طلبت عدم كشف اسمها، أنّ هذا ما ظهر فعلاً أثناء الزيارة التي قام بها وفد لبنانيّ برئاسة وزير الخارجيّة اللبنانيّة جبران باسيل، إلى الأرجنتين يومي 15 و16 كانون الأوّل/ديسمبر 2014.
فالجانب اللبنانيّ أصر على الإشارة إلى قضيّة التفجير، من باب عرض كلّ الأمور بشفافيّة، وإقفال باب الشائعات الإعلاميّة التي ظلّت منتشرة طيلة عقدين، والتي تحاول توريط بعض اللبنانيّين في قضيّة الانفجار المذكور. ذلك أن بعض وسائل الإعلام نقلت في حينه معلومات اسرائيلية تتهم حزب الله اللبناني بتنفيذ العملية، وتطالب باتخاذ إجراءات ضد لبنان للتعاون مع التحقيقات حول الجريمة. علماً أن السلطات اللبنانية أبدت كل تجاوب منذ اللحظة الأولى، بحسب ما أكدت أوساط الوفد اللبناني الرسمي لموقعنا.غير أنّ الجهّات الأرجنتينيّة فاجأت ضيوفها اللبنانيّين بمدى واقعيّتها وإيجابيّاتها في مقاربة القضيّة، إذ أكّدت للوفد اللبنانيّ أنّ "بينوس إيرس تدرك في شكل كامل أن لا علاقة للبنان في كلّ الموضوع، ولا تأثير إطلاقاً لتلك الجريمة على العلاقات بين البلدين". لا بل حرصت الجهّات الأرجنتينيّة على عرض وجهة نظرها كاملة في هذا الملفّ، فشرحت لضيوفها أنّ "الأرجنتين ظلّت طيلة نحو عشرين عاماً تجهد في مسار التحقيق لكشف الفاعلين وسوقهم إلى العدالة، وعمدت إلى التعاون مع كلّ الجهّات الخارجيّة والأمميّة للوصول إلى هذا الهدف".
وكشفت الجهّات نفسها للوفد اللبنانيّ أنّه "في فترة سابقة توصّلت التحقيقات إلى تحديد هويّات ستّة من المشتبه بهم في التورّط في التفجير الإجراميّ المذكور، غير أنّ السلطات الأرجنتينيّة لم تتوصّل إلى إلقاء القبض على أيّ منهم، لا بل فوجئت بأنّ التعاون الخارجيّ في التحقيقات لم يستكمل بتعاون مماثل في محاولة الوصول إلى المشتبه بهم الستّة، حيث أنّ كلّ المساعي المبذولة خارج الأرجنتين لم تتوصّل إلى تحديد مكان أيّ من هؤلاء". وكانت الأوساط الرسمية الأرجنتينية تلمح بذلك إلى أن الضغط الغربي والاسرائيلي الذي كان يطالب بجلاء حقيقة الجريمة، لم ينعكس تعاوناً فعالاً على مستوى الاستخبارات والعيئات القضائية والأمنية الدولية لتحديد مكان المشتبه بهم وبالتالي القبض عليهم. عندها، تابعت الجهّات الأرجنتينيّة شرحها لضيوفها اللبنانيّين، "حاولت سلطات بينوس إيرس اقتراح تعديلات قانونيّة على آليّات القضاء الأرجنتينيّ، بما يسمح بإجراء محاكمة غيابيّة، غير أنّ الجهّات نفسها التي كانت تضغط لكشف ملابسات الجريمة، لم تساعد من أجل تحقيق تعديل قانونيّ كهذا، ممّا أدى إلى وصول الملفّ على المستوى القضائيّ إلى مأزق، فلا إلقاء قبض على أيّ مشتبه به، ولا إمكان للبدء في المحاكمة في غياب هؤلاء".
وتابعت الجهّات الأرجنتينيّة نفسها: "لذلك، اعتبرنا في لحظة ما، أنّ هذا الملفّ يراد له أن يترك معلّقاً إلى ما لا نهاية، وأن يظلّ مادّة للاستثمار السياسيّ من قبل أطراف خارجيّة عدّة، على حساب الأرجنتين نفسها، وعلى حساب مصالح شعبها ومصالحها العليا. وهذا ما دفعنا كمسؤولين أرجنتينيّين، إلى إقفال هذه الدوّامة والخروج منها بقواعد واضحة. أوّلها أنّنا مستمرّون في إصرارنا على كشف هويّة المجرمين، وسوقهم إلى العدالة، وإنزال العقوبات اللازمة في حقّهم عبر محاكمة عادلة وشفّافة. وثانيها، أنّه لا يمكن لهذا الملفّ أن يظلّ معطّلاً لسياستنا ومصالحنا في قسم كبير من العالم. لذلك قرّرنا الانفتاح على طهران، من دون أن يحول ذلك دون استمرار تعاوننا السياسيّ والتجاريّ مع إسرائيل نفسها. وهذا ما نجحنا في فرضه منذ نحو ثلاثة أعوام، إذ بدأنا خطوات كسر الجليد مع الإيرانيّين، فيما كنّا نتابع إبرام عقودنا الثنائيّة مع الإسرائيليّين". وأضافت الجهّات الأرجنتينية نفسها: "وقد ساعدنا على ذلك أنّ الإسرائيليّين أنفسهم كانوا قد قالوا لنا إنّهم أقفلوا الملفّ تقريباً، مع اغتيال أحد مسؤولي حزب الله في دمشق قبل أعوام". والمقصود بذلك المسؤول العسكريّ في حزب الله عماد مغنيّة، الذي قضى بانفجار استهدف سيّارته في العاصمة السوريّة في 12 شباط/فبراير 2008.
AL-MONITOR All-Access gives you unlimited access to all our journalism, the full Daily Briefing, exclusive interviews, premium newsletters, and live events — for less than $2/week.