كشفت مصادر موثوقة لموقعنا، أنّ العقيد في الجيش السوريّ حافظ مخلوف، غادر دمشق منتصف الأسبوع الفائت، عبر بيروت، في زيارة موقّتة إلى خارج سوريا، وذلك بعلم سلطات بلاده وإذن منها، علماً أنّه التحرّك الأوّل لمخلوف بعد قرار تنحيته من منصبه، "بناء على طلبه"، كما تردّد الأوساط السوريّة الرسميّة. الخبر ليس عادياً. لأن الرجل المقصود ليس كذلك. فحافظ مخلوف هو ابن خال الرئيس السوري بشار الأسد. وهو كان حتى ما قبل أسبوعين، أحد أكثر المسؤولين الأمنيين قوة ونفوذاً في نظامه. كما شكل رأس حربة في الصراع الدائر في سوريا منذ أكثر من ثلاثة أعوام. لا بل قيل أنه هو من بنى الدرع الأمنية الواقية للعاصمة السورية دمشق، في وجه أي شكل من أشكال المعارضة للنظام، سلمية كانت أو عسكرية. وذلك انطلاقاً من موقعه الأمني كمسؤول عن العاصمة نفسها. لكن كل ذلك انتهى قبل أيام. فجأة صدر قرار عن قيادة الجيش السوري بإعفاء العقيد مخلوف من مسؤوليته. قرار ترك تساؤلات كثيرة عن اسبابه وخلفياته. كما عن مصير الرجل، وماذا سيفعل بعده. هل يغادر نهائياً؟ هل يعود إلى سوريا؟ هل تخلى عن النظام أم تخلى النظام عنه؟ اسئلة كثيرة عن ركن أساسي في الحرب السورية المفتوحة.
إذ ليس العقيد حافظ مخلوف مجرد نسيب عادي للرئيس السوريّ. فالمسألة أكثر تعقيداً وتأثيراً.فهو يشكّل مع عائلة مخلوف الواسعة النفوذ علويّاً وسوريّاً، إحدى أكثر الحلقات صلابة وقوّة حول الرئيس كما حول النظام. وهو شقيق رامي مخلوف، رجل الأعمال السوريّ الشهير والنافذ، والذي كانت لوائح العقوبات الغربيّة قد لاحقته منذ بداية الأزمة في سوريا، قبل أن يتردّد أنّه تخلّى عن معظم أعماله لصالح الدولة والشعب السوريّين. وكان حافظ ورامي يرمزان إلى حلقة العائلة الأقرب إلى الرئيس، إلى جانب شقيقه ماهر وصهره الراحل آصف شوكت، زوج شقيقة الرئيس بشرى، الذي قتل في الانفجار الذي استهدف خليّة الأزمة الأمنيّة أثناء اجتماعها في دمشق في 18 تموز/يوليو 2012.
وإذا كان رامي مخلوف قد بنى شهرته السوريّة في عالم المال والأعمال، فإنّ شقيقه حافظ قد بناها في عالم العسكر والاستخبارات. فبعد صعود سريع في تراتبيّة الجيش السوريّ، عيّن عام 2008 مسؤولاً عن الفرع 40، ضمن وحدة الأمن الداخليّ في جهاز أمن الدولة. ولفهم أهميّة الموقع، تجدر الإشارة إلى أنّ وحدة الأمن الداخليّ هذه هي المسؤولة عن "أمن" كلّ ما هو مدنيّ في سوريا. فباستثناء الجيش والقوى المسلّحة الخاضعة لسلطة أجهزة أخرى، تشمل صلاحيّة الأمن الداخليّ "العلاقة" بين النظام وبين الأحزاب والنقابات والجامعات والطلاّب... وبالتالي، مع كلّ ما هو حيّ متحرّك في المجتمع المدنيّ السوريّ. أمّا الفرع 40 ضمن هذه الوحدة، فهو الفرع المولج كلّ تلك المسؤوليّات، في نطاق العاصمة السوريّة دمشق، أي في نطاق أكثر من ثلث سكّان سوريا، وأكثر من نصف سياسيّيها وطلاّبها.
هكذا كان هذا الفرع، وهذه الوحدة تاريخيّاً، موقع نفوذ وقوّة أساسيّين داخل النظام. يكفي ذكر أنّ الرئيس السوريّ الراحل حافظ الأسد، كان قد عهد بهما إلى أحد أبرز معاونيه وأقربهم إليه، اللواء محمّد ناصيف خير بك، المعروف بأبو وائل. وبعد تقاعد أبو وائل، تسلّم هذا المركز اللواء بهجت سليمان، أحد أبرز أركان عهد بشّار الأسد في بداياته. وقيل أنّ سليمان هو من أقنع الرئيس الجديد يومها بشّار الأسد، بالسماح بحركة لجان المجتمع المدنيّ، التي أطلقت ما سمّي "ربيع دمشق" عام 2001، قبل أن يتحالف الحرس القديم، وعلى رأسه نائب الرئيس يومها عبد الحليم خدّام و رئيس الاركان السابق حكمت الشهابي، لإقناع الأسد بضرب تلك الحركة وحظرها والعودة إلى سياسة القبضة الحديديّة. بعدها، ترك سليمان هذا المركز وانتقل إلى السلك الدبلوماسيّ سفيراً، حتّى بات اليوم سفير سوريا في الأردن، لكن المقيم في دمشق بعد الأزمة الأخيرة بين العاصمتين السوريّة والأردنيّة.
AL-MONITOR All-Access gives you unlimited access to all our journalism, the full Daily Briefing, exclusive interviews, premium newsletters, and live events — for less than $2/week.