تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

مواجهات في السويداء تنذر بالمزيد

20140819_092425.jpg

لم تعد محافظة السويداء بجنوب سوريا، وهي المحافظة الجارة لمهد الاحتجاجات درعا في منأى عن المعارك والاشتباكات، فالمحافظة التي اتّسمت بالهدوء منذ آذار 2011 شهدت فيها منطقة الداما (37 كيلومتراً شرق المحافظة) منذ ليل السبت 16 آب، اشتباكات عنيفة بين سكّان المدينة من الدروز مدعومين من اللجان الشعبيّة وقوّات الدفاع الوطنيّ الموالية للسلطات السوريّة، ومجموعات مسلّحة من البدو السنّة المدعومين من قبل ألوية في جبهة النصرة وكتائب المعارضة المسلّحة المتمركزة في منطقة اللجاة على الحدود بين درعا والسويداء.

ما إن تصل مشارف مدينة السويداء ستستقبلك حواجز اللجان الشعبية وقوات الدفاع الوطني، تفتيشٌ دقيق بحثاً عن كاميرا أو حاسب محمول أو أي شيءٍ يعتبر خطراً على السلطات، يسألونك عن سبب قدومك، وإن لم تقنعهم إجابتك، سيأخذون بطاقتك الشخصية للتأكد إن كنت مطلوباً أم لا، لقد كان واضحاً حجم الاستنفار والقلق الكبير الذي تعيشه المدينة.

استطعنا عبور حواجز التفتيش بسلام، مع تدقيق بسيط على مدينة الميلاد التي تعتبر بعيدة عن السويداء ومعروفة بمعارضتها لنظام الأسد، دخلنا السويداء التي تزين مداخلها صورٌ للأسد وعبارات دعمٍ للجيش والدفاع الوطني.

محالٌ قليلة كانت تفتح أبوابها ذاك اليوم، الجميع مشغولٌ في تشييع ضحايا الاشتباكات مع مجموعات البدو، وحشودٌ ضخمة كانت تتجمع على الطريق المحوري تشيع ضحايا المدينة.

إنّ الشرارة التي أشعلت فتيل المواجهات أتت إبان اعتقال أحد وجهاء البدو في المحافظة، لتردّ مجموعات البدو بمهاجمة سيّارة في المنطقة الواقعة بين قرية داما وعريقة في السويداء - وهي منطقة نفوذ بدويّ - ممّا أسفر عن إصابة جميع من كانوا في السيّارة ووفاة السائق، الأمر الذي دفع عناصر من الدفاع الوطنيّ إلى استهداف تجمّعات بدويّة، قام مسلّحوها بدورهم بالردّ باقتحام قرية دير داما واختطاف بعض عناصر اللجان الشعبيّة، رافعين أعلام جبهة النصرة فيها.

"إنّ البدو لم يهاجموا منطقة الداما، إلاّ بعد استفزازات من اللجان الشعبيّة وقوّات الدفاع الوطنيّ"، بحسب ما قاله أبو جاسم النّاشط في صفوف البدو، والذي أضاف: "إنّ اللجان الشعبيّة دأبت على خطف واعتقال الكثيرين منّا، ونحن صامتون، إنّهم يحاولون تهجيرنا من هنا. لقد هاجمنا هذه المنطقة لأنّ "شبّيحتها" هم المسؤولون عن كلّ ما يحصل لنا."

وتقدّر أعداد البدو بالآلاف، يتمركز بعضهم في أحياء قريبة من المدينة وداخلها، فيما يتنقل البعض الآخر مع خيامهم في قرى المحافظة، وخصوصاً القريبة من محافظة درعا، ويعود وجودهم في المنطقة إلى عشرينيّات القرن الماضي حيث اختاروا الترحال هرباً من الخدمة العسكريّة في الجيوش المتعاقبة على المنطقة.

هذا وقد طُردت عوائل بدويّة من قرى في المحافظة، وأُحرقت منازل البدو في قرى عريقة ونجران على خلفيّة الاشتباكات. كما احتشد المئات من أهالي السويداء في حضور مشايخ عقل أمام عين الزمان، وهو أحد المقار الدينيّة، وطالبوا ب"توفير السلاح المتوسّط والثقيل لمواجهة تمدّد البدو، إبان مقتل ثلاثة مشايخ عقل في المعركة التي حصلت لاستعادة القرية.

واعتبرت الكاتبة السوريّة المعارضة ريما فليحان أنّ "الاحتجاجات المطالبة بالتّسليح ليست سوى فورة غضب دافعها الخوف من المتطرّفين"، وقالت: "إنّ المطالبات بالتسليح كانت بالطبع فورة غضب وخوف من المتطرّفين، وفقاً لما يحصل في المنطقة. وبالتّأكيد كان هناك تجييش من بعض الجهات المحليّة، ولكن والحمدلله هناك عقلاء قادرون على التعامل مع المجتمع المحلي وقيادته نحو الأمان، فليس من مصلحة أحد الانجرار نحو اقتتال لا يستفيد منه إلاّ النظام والمتطرفين من الطرفين".

أضافت: "إنّ الأحداث لم تكن وليدة الساعة، بل هي نتيجة تراكمات الخطف للمدنيّين في قرى السويداء، واعتداءات بإطلاق النار، إضافة إلى استفزازات اللجان الشعبيّة في الطرف المقابل".

"إنّ الجيش السوريّ، بمساندة قوّات الدفاع الوطنيّ، استطاع فرض سيطرته من جديد على قرية دير داما، بعد اشتباكات مع مجموعات البدو والفصائل الدّاعمة لها"، بحسب ما أفاد أحد عناصر الدفاع الوطنيّ، الذي أضاف: "استطاع الجيش دخول القرية، إلى جانب أهالي السويداء، بمساندة من قوّات الدفاع الوطني ليل الإثنين في 18 آب بعد أن مهّدت مدفعيّة ‘الفوج 404’ عمليّة الدخول والغارات التي شنّها الطيران الحربيّ، لكن ما زالت قريتا الداما ودير داما تتعرّضان لقصف عنيف بقذائف الهاون من وقت إلى آخر".

وكانت "وكالة الأنباء السورية الرسميّة - "سانا" أعلنت الأحد في 17 آب أنّ "الجيش السوريّ وقوّات الدفاع الوطني استطاعا صد هجوم مجموعات إرهابيّة على قرية الداما في ريف السويداء".

وأكّد الشيخ أبو إبراهيم، وهو أحد رجال الدين الذين شاركوا في المواجهات، أنّ "أهالي السويداء لن يصمتوا، إذا تعرضوا إلى اعتداء"، مطالباً النظام والمعارضة بـ"التوقّف عن المتاجرة بدمائهم"، وقال لإذاعة محلية : "ما أن وقع الهجوم على قرية الداما، حتى تسابق الجميع لحمل السلاح، وأتّى شبان من جرمانا وأشرفيّة صحنايا قرب دمشق للدفاع عن الجبل، ولا يمكن أن نسمح لهذه القوى الظلاميّة بالهجوم علينا، فليعرف النظام قبل المعارضة أنّ السويداء لن تكون معلولا، وهي ليست كسب، وكفّوا عن الإتجار بدمائنا".

وكان مشايخ عقل طائفة الموحّدين الدروز قد أصدروا بياناً طالبوا فيه أبناء الطائفة بـ"الاحتكام إلى صوت العقل، وعدم الانجرار وراء الفتنة وعدم الاستماع إلى مثيريها، لأنّها أشدّ من القتل، ولا تودي إلاّ إلى الخراب والتدمير وإزهاق الأرواح وتهديم صروح العيش الكريم والوطن".

وحذر المشايخ من "محاولات الإرهابيّين وأسيادهم منذ بداية الحرب الشرسة على سوريا إيقاظ الفتنة بين أبناء الوطن الواحد بمختلف أطيافهم خدمة لأعداء الوطن وتنفيذاً لمخطط استعماريّ خبيث مرسوم للمنطقة والوطن".

إنّ المجتمع المدنيّ لم يكن حاضراً في شكل كبير. وفي هذا المجال، قال النّاشط في مجال "المجتمع والتنمية" قصي مقلّد: "إنّ السلطات السوريّة قطعت شبكة الانترنت والاتصالات عن كامل المحافظة منذ بدء المواجهات، ولم نستطع فعل الكثير، فالتضييق كان كبيراً، لكن استطعنا التواصل مع بعض ناشطي درعا والبدو في محاولة لوأد الفتنة. وإنّ صراع الدروز مع البدو دائماً كان ورقة إشعال فتيل الفتنة في الجبل، وإنّ تشييع القتلى في السويداء لم يحمل أيّ طابع سياسيّ ومنع الأهالي من مشاركة أيّ جهة رسميّة في التشييع".

ويعتبر التوتّر بين البدو والدروز قديماً حيث شهد عام 2000 مواجهات دامية بينهم، بعد خلافات على مساحات الرعي استمرت أسبوعين، أدّت إلى مقتل ما يقارب عشرين شخصاً وجرح أكثر من مئتين، ولم يتوقّف القتال إلاّ بعد تدخل الجيش السوريّ.

More from Khaled Atallah

Recommended Articles