تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

أنصار النّظام في السّاحل السوريّ غير مهتمّين بإعلان الخلافة الإسلاميّة

تستمرّ الحياة على طبيعتها في السّاحل السوريّ الذي تقطنه أغلبيّة موالية لنظام الأسد، رغم التطوّرات المتسارعة في الدّاخل السوريّ والعراق، ويستمرّ قسم من السكّان في استقبال جثامين أبنائهم الذين يفقدون أرواحهم أثناء القتال بجانب النّظام السوريّ، في حين يواصل الباقون حياتهم وعملهم على نحو يبدو طبيعياً، ولا يبدو أنّ أحداً يهتمّ بإعلان تنظيم "داعش" لعودة الخلافة الإسلاميّة.

في مقهى صغير على شاطئ مدينة اللاذقيّة الساحليّة التي لا تزال تدور معارك عنيفة في ريفها الشماليّ، يجلس شبّان وفتيات فيتبادلون حديثاً ساخراً عن إعلان تنظيم الدولة الإسلاميّة للخلافة (المعروفة سابقاً باسم الدولة الإسلاميّة في العراق أو الشام أو داعش)، فسأل أحدهم: "ألا تخافون من احتمال نجاح هذا المشروع الذي قد يحرمكم من نمط حياتكم المنفتح هذا؟"، وقال: "لن يتمكن أصحاب هذا المشروع من السيطرة على سوريا كلّها، وسيهزمون في النّهاية. ربما يعيش قسم من أبناء الطّائفة السنيّة تحت حكمهم لفترة من الزمن، لكن دولتهم لن تستمرّ".

ومن جهتها، قالت إحدى الفتيات وهي ترفع كأساً يحتوي مشروباً كحوليّاً: "ربما تكون حياتنا سيّئة تحت حكم النظام السوريّ بسبب الفساد وانعدام الحريّة السياسية، لكنّنا نقف بجانب الجيش النظاميّ السوريّ في معركته للدّفاع عن نمط حياتنا هذا".

وتبدو هذه وجهة نظر مجموعة من الشبّان من أبناء الطبقة الوسطى في الساحل السوريّ، هذه الطبقة التي لم تدفع ثمناً غالياً من جراء الحرب الدّائرة في سوريا حتى الآن، لكن في الحقيقة إن توحّد جميع الكتائب المسلّحة المناوئة للنظام السوريّ تحت قيادة تنظيم "داعش"، وهذا ما تطمح إليه قيادة الّتنظيم على ما يبدو، ربما يؤدّي إلى تغيّر في موازين القوى، وهو احتمال لا يبدو أنّ أحداً من أنصار النظام السوريّ يأخذه على محمل الجدّ.

وعن هذه المسألة، يقول مقاتل في صفوف النّظام السوريّ رفض الكشف عن اسمه: "لا أعتقد أنّ هذا سيحصل، بل على العكس،  تصبّ هذه الخطوة لمصلحتنا لأنّها ستصعّد من الصراع بين مختلف الكتائب المسلّحة. ومن جهة ثانية، ترفض كلّ دول العالم فكرة الخلافة الإسلاميّة، وهذا سيؤدّي إلى قطع كلّ أشكال الدعم الدوليّ عن هذه الكتائب. وعلى أيّ حال، نحن نقاتل بجانب النظام السوريّ في حرب طويلة تبدو اليوم بلا نهاية، وسواء تمّ إعلان دولة الخلافة أم لا، فالحرب مستمرّة، ومصيرنا لن يختلف كثيراً سواء هزمنا على يدّ داعش أم غيرها. ولذا، لا نبدو مهتمّين بإعلان الخلافة على الإطلاق".

وفي المناطق التي يسيطر عليها النّظام السوريّ، لا يزال الوضع مقبولاً من النّاحية الأمنيّة، لكن الأوضاع الاقتصاديّة سيّئة جدّاً، ولا يبدو أنّ ثمة أفقاً أو أملاً في المدى المنظور مع تواصل ذهاب عشرات الشبّان إلى الحرب ومقتل أعداد كبيرة منهم، وهل انعدام الأمل يجعل أغلب أنصار النّظام السوريّ غير مهتمين بإعلان الخلافة الإسلاميّة؟

وقال طالب جامعيّ مقيم في مدينة طرطوس الساحليّة، فضّل عدم ذكر اسمه: "لا أمل من الحياة في هذه البلاد، فأنا أسعى إلى مغادرتها فور تخرّجي من الجامعة، وليس مهماً بالنّسبة إلي سواء انتصر مشروع الخلافة الإسلاميّة أم غيره، إذ في حال هزم النظام السوريّ، سندفع كعلويّين جميعاً ثمن وقوفنا بجانبه. أما في حال انتصاره فسينتصر على بحر من الدماء وستكون الحياة في ظلّ حكمه أشبه بالجحيم، ولا ضوء في نهاية النّفق على أيّ حال".

ورغم الثّقة بالانتصار التي تظهرها اللاّفتات الكثيرة الداعمة للأسد في شوارع مدن الساحل السوريّ، وتظهرها العبارات المرافقة لصور المئات من عناصر النّظام الذين فقدوا أرواحهم في الحرب، فإنّ اليأس والضياع يبدوان واضحاً على وجوه أغلب الأشخاص الذين يتجوّلون في الشوارع، ولا يبدو أنّ أحدّاً يهتمّ فعلاً بالتطوّرات السياسيّة والميدانيّة، وليس ثمّة مواجهات أو أحداث أمنية هنا، لكن رائحة الموت تعبق في كلّ مكان، ويبدو سكّان الساحل السوريّ، كما لو أنّهم ينتظرون شيئاً لن يأتي.

"بخلافة إسلاميّة أو من دونها يبدو أنّنا خسرنا بلدنا إلى الأبد، فلن تعود سوريا كما كانت عليه، ونحن سندافع عن أنفسنا سواء أكان تنظيم الدولة الإسلاميّة خصمنا أم غيره"، وبهذه البساطة يردّ سائق "تاكسي" في طرطوس على سؤال في حديث عابر حول الخلافة الإسلاميّة، ويضيف قائلاً: "ليس مهماً الشكل الذي يتّخذه خصمنا، فكلّ هذا قد يكون كذباً، ووسائل الإعلام كلّها تكذب علينا منذ ثلاث سنوات، بما فيها وسائل الإعلام الصديقة. لقد قتل ولدي في الحرب قبل عامين، ووقتها كان الإعلام الرسميّ السوريّ يقول إنّ الحرب ستنتهي في غضون بضعة أشهر".

وقال أحد المعارضين المنحدرين من أصول علويّة في مدينة طرطوس، رفض الكشف عن اسمه، لـ"المونيتور": "لم تعد لدى النّاس هنا ثقة لا بالنّظام السوريّ ولا بغيره، لكن لا يمكنهم إلاّ الوقوف بجانبه في هذه الحرب. أمّا إعلان الخلافة فهو حدث لن يؤثّر على حياتهم في المدى المنظور، وهو مشروع محكوم بالفشل قبل ولادته، ويأتي نتيجة سياسة النّظام الاستبداديّة وتوريطه للسوريّين في حرب أهليّة للدفاع عن سلطته. لا يهتم الناس هنا بتطوّرات الصراع الدائر بين مختلف القوى التي تقاتل النظام السوريّ، لأنهم فقدوا أيّ أمل بمستقبل أفضل، ولأنّ إعلام النظام السوريّ ومعه فشل المعارضة السوريّة، جعلهم مقتنعين بأنّ لا فارق بين القوى المعارضة للنظام السوريّ، سواء تلك التي تدعو إلى خلافة إسلاميّة أو تلك التي تدعو إلى دولة ديموقراطيّة".

وللوهلة الأولى، يبدو أنّ أنصار النظام السوريّ في الساحل لا يأخذون إعلان الخلافة الإسلاميّة على محمل الجدّ، أو أنّهم واثقون بقدرة النظام على الانتصار وحمايتهم، لكن الحقيقة أعمق من ذلك، إنّه اليأس وانعدام الثقة بالمستقبل، وكذلك انعدام الثقة بكل ما يقال على وسائل الإعلام المختلفة بعد أكثر من ثلاث سنوات على التضليل والحرب والموت.

More from A correspondent in Damascus

Recommended Articles