تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

بسيوني: تقدّم البحرين تعرقله المقاربة "المجتزأة" للإصلاحات

في مقابلة حصرية مع موقع "المونيتور"، يقول شريف بسيوني، المحامي المتخصّص في قانون حقوق الإنسان الدولي، إنه على البحرين أن تعالج المشكلات الاقتصادية والاجتماعية الأساسية التي تؤجّج الاضطرابات المستمرة في المملكة.
Egyptian-born war crimes expert and Chair of the International Commission of Inquiry, Cherif Bassiouni is pictured before the presentation of his report on alleged violations of international human rights law in Libya, to the Human Rights Council at the United Nations in Geneva June 9, 2011.  REUTERS/Denis Balibouse (SWITZERLAND - Tags: POLITICS CRIME LAW) - RTR2NHDX

الدوحة، قطر - أحرزت الحكومة البحرينية تقدّماً ملحوظاً منذ إنشاء اللجنة البحرينية المستقلة لتقصّي الحقائق في العام 2011، لكن ما زال عليها القيام بالمزيد.

هذا ما جاء على لسان شريف بسيوني الذي كان رئيساً للجنة البحرينية المستقلة لتقصّي الحقائق، والذي اعتبر في مقابلة حصرية مع موقع "المونيتور" على هامش المنتدى الأميركي-الإسلامي العالمي الذي نظّمه معهد بروكينغز في الدوحة، أن "الحكومة دأبت باستمرار على تطبيق التوصيات".

وقد سلّط بسيوني الضوء على المسائل حيث تستحقّ الخطوات التي اتّخذتها الحكومة البحرينية التقدير، لكنه أضاف أن تطبيق التوصيات يتم "بطريقة مجتزأة"، ولذلك تفقد "أثرها التراكمي".

وأضاف أنه في حين أجرت السلطات تحسينات في جوانب معيّنة، مثل إعادة بناء بعض المساجد الشيعية التي دُمِّرت خلال الانتفاضة، فإن تطبيق توصيات أساسية أخرى "لا يفي بالغرض ولا يمكن التعويل عليه".

يقول بسيوني إن قضايا التعذيب والوفاة تحت التعذيب "لم يتم التحقيق فيها كما يجب، ولم تُتَّخذ الإجراءات القضائية المناسبة. كانت المحاكمتان والإدانة التي صدرت ضعيفة للغاية ومتواضعة جداً، ولذلك لا تفي بالغرض ولا يُعوَّل عليها".

ولفت إلى العوامل الاجتماعية والاقتصادية التي تؤجّج الاستياء والتململ لدى الشباب الشيعة المحرومين في المملكة، والتي تشكّل واحدة من القوى المحفِّزة الأساسية خلف استمرار أعمال العنف.

ومما قاله في هذا الإطار: "يعاني الشيعة من مشكلات اجتماعية واقتصادية جوهرية جداً لم تتم معالجتها حتى الآن، ويجب المبادرة إلى إيجاد حلول لها. ... كما أن مستوى التعليم وسواه من الخدمات العامة ليس مناسباً في هذه المجتمعات".

أضاف بسيوني: "عندما لا يكون لدى الأشخاص أمل بأن تتم معاملتهم كمواطنين متساوين، ولا بالحصول على فرص متساوية في بلد ما، ويعيشون في مناطق تعاني بمعظمها من الحرمان الاقتصادي وذات كثافة سكّانية عالية، ينفجرون"، محذّراً من أن الانتفاضة "ستستمرّ حكماً في التعاظم حتى نعالج الأسباب الاجتماعية والاقتصادية".

ليس بسيوني ممن يعتقدون أن إيران تقف وراء أعمال العنف الأخيرة، على الرغم من الاتهامات الموجّهة إليها.

يقول في هذا السياق: "أظن أنه لو أرادت إيران أن تحرّض على شيء من هذا القبيل، لكانت الأضرار أكبر بكثير"، مضيفاً: "لو كان هناك تدخّل إيراني، لما حصل بالتأكيد عند هذا المستوى المتدنّي جداً".

في ما يأتي نص المقابلة:

المونيتور: كيف تقوِّمون تقدّم البحرين في تطبيق الإصلاحات التي أوصلت بها اللجنة البحرينية المستقلة لتقصّي الحقائق التي تولّيتهم رئاستها في العام 2011؟ ما المجالات التي تحقّق فيها التقدّم الأكبر، وتلك التي كان التقدّم فيها محدوداً؟ هل أصبحت البحرين، بعد نحو ثلاث سنوات على صدور التقرير، في وضع مطابق للتصوّر الذي وضعتموه، أو على قدر تطلّعاتكم؟

بسيوني: صدر عدد من التوصيات، وقد دأبت الحكومة باستمرار على تطبيقها. يقول النقّاد إنها طُبِّقت بطريقة مجتزأة، ولذلك لا نشعر بأثرها التراكمي. يمكن القول بأنها نُفِّذت، لكنها تفقد أثرها التراكمي على امتداد فترة طويلة من الزمن، ولدى ربطها معاً.

الهدف من التوصيات التي وُضِعت من أجل القضاء على أسباب التململ الاجتماعي هو محاولة الدفع باتجاه الإقرار بوجوب احترام حقوق شريحة معيّنة من المجتمع ومراعاتها. بناءً عليه، يجب النظر في الأثر التراكمي من أجل تقويم التأثير الفعلي للتوصيات، بدلاً من الاكتفاء بالنظر إلى الأمور من منظار بيروقراطي والقول مثلاً، أجل، هذا صحيح، طبّقنا التوصية التي تدعو إلى إعادة بناء بعض المساجد المدمّرة، ونحن في صدد إعادة بنائها. ثمة أمور أُنجِزت وتستحق التنويه. على سبيل المثال، الطلاب الذين طُرِدوا من الجامعات أو مُنِعوا من الحصول على منح دراسية أعيد قبولهم من جديد ما عدا 12 طالباً. وهذا الأمر يستحق التنويه والتقدير. وأعيد أيضاً توظيف عدد كبير من الأشخاص الذين كانوا قد طُرِدوا من وظائفهم، مع العلم بأن بعضهم يقولون إنهم تعرّضوا للتمييز في طريقة تعيينهم في مناصبهم الجديدة. لكن مع ذلك، يستحق الأمر بعض التنويه. إنما يجب أن تكون هناك أيضاً متابعة بحيث لا يكون الهدف من إعادة توظيف الشخص مجرّد تقيُّد بالشكليات بل رغبة حقيقية في إعادة دمجه في المجتمع، في المجموعة التي يعمل ضمنها. إذا أعدت توظيفك كي تحصل على أجر في نهاية الشهر، لكنك لا تزال تشعر بأنك مهمّش، فهذا يعني أنني لم أحقّق الكثير.

المسألة الثانية تتعلّق ببعض التوصيات المهمة جداً، والتي لا يفي تطبيقها بالغرض ولا يمكن التعويل عليه. آلية المساءلة لا يُعوَّل عليها. ننظر في نحو 300 حالة تعذيب، نظرنا في حالات وفاة من المعلوم أنها حصلت تحت التعذيب، هناك خمس حالات على الأقل موثَّقة بالكامل. لم يتم التحقيق كما يجب في هذه القضايا، ولم تُتَّخذ الإجراءات القضائية المناسبة. كانت المحاكمتان والإدانة التي صدرت ضعيفة للغاية ومتواضعة جداً، ولذلك لا تفي بالغرض ولا يُعوَّل عليها.

من جهة أخرى، لا بد من أن أشير إلى أن وزير الداخلية على وجه التحديد تبنّى شخصياً التوصيات. عيّنت وزارة الداخلية أمين مظالم لتلقّي الشكاوى، وأنشأت مكتباً للممارسات المهنية تابعاً للشرطة، وجرى تعيين رئيس جديد للشرطة. حصلت تحسينات عدّة، ولا بد من الإشادة بوزير الداخلية على المجهود الذي بذله في هذا الإطار.

في ما يتعلق بالقضاء، تجدر الإشارة إلى أن المدعي العام يتصرّف بطريقة مستقلة، وكذلك الأمر بالنسبة إلى السلطة القضائية ووزير العدل. لذلك يصعب أن نحدّد من يتحرّك بقدرٍ كافٍ من السرعة والفعالية. بالتأكيد لا يمكن إلقاء اللوم على وزير العدل لأنه لا يملك سلطة على المدعي العام أو القضاة. في ما يختص بمكتب المدعي العام، يمكن القول بأن القضاة لا يقومون بالتحقيقات الكافية، لا تتوافر لهم الموارد اللازمة لإجراء هذه التحقيقات. وأظن أن للأمر علاقة أيضاً بالمصداقية في نظر الرأي العام، لا يتمتّع مكتب المدعي العام بالمصداقية في نظر ضحايا الجرائم. غالباً ما يشتكون في مكتب المدعي العام بأن الضحايا لا يتعاونون معهم، لكن يجب أن يعلموا أن السبب هو أن الضحايا يشعرون بأن مكتب المدعي العام لا يقوم بعمله كما يجب. لماذا أتعاون معك إذا لم تكن تقوم بعملك على أكمل وجه؟ أنظر إلى سجلك، فأستنتج أنك لا تقوم بعملك كما يجب. إنها حكاية البيضة والدجاجة، ويجب معالجتها.

المونيتور: تعتزّ البحرين بإصلاحاتها في القطاع الأمني ومبادراتها من أجل تعزيز الشفافية والمساءلة في ممارساتها. هل تصدّت الحكومة، في تطبيقها لتوصياتكم، لـ"ثقافة الإفلات من العقاب" بين المسؤولين الأمنيين التي تطرّقتم إليها في تقرير اللجنة البحرينية المستقلة لتقصي الحقائق؟

بسيوني: لا شك في أن تقدّماً ملحوظاً قد أُحرِز. إنها حكاية الكأس والسؤال إذا كانت نصف فارغة أم نصف ملآنة. بالمقارنة مع السابق، تحقّق تقدّم مهم. بالمقارنة مع ما يمكن إنجازه، بالتأكيد ما زال يجب فعل المزيد. لا أحب القيام بمثل هذه المقارنات، لكن على الناس أن يشاهدوا ما يحدث في مصر منذ 4 تموز/يوليو 2013 تحديداً، عندما تسلّم الجيش السلطة. حجم القمع الذي مورِس ولا يزال يمارس في مصر من جانب الشرطة والأجهزة الأمنية في شكل عام، ومكتب المدعي العام والقضاة، مريع. في المقابل، لا بد من الإقرار بأن المنظومة البحرينية أكثر تقدّماً بأشواط وحقّقت تقدّماً أكبر بكثير. هل يمكنها فعل المزيد؟ الجواب هو نعم بالتأكيد. يجب العمل أكثر على تعزيز مكتب المدعي العام، وتدريب المدعين العامين، وتفعيل اختصاصهم، ومنحهم مزيداً من الاستقلالية، وموارد مستقلة، لأنه يجب أن يكون لديهم محقّقون مستقلون، نفتقر إلى محققين مستقلين. لا يمكنهم الاعتماد على الشرطة لإجراء التحقيقات، عليهم إجراؤها بأنفسهم، وهذا ممكن.

المونيتور: دافعت البحرين هذا الأسبوع [الأسبوع الماضي] عن نفسها في وجه الانتقادات التي وجّهتها إليها بلدان أوروبية في مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة في جنيف، بشأن سجلّها في حقوق الإنسان، وذكرت أنها تبذل جهوداً صادقة للوفاء بالتزاماتها على هذا الصعيد. كيف تقوِّمون سجل البحرين في حقوق الإنسان، وتطبيقها لتوصيات اللجنة البحرينية المستقلة لتقصي الحقائق في هذا المجال؟

بسيوني: لا شك لدي في أن الملك وولي العهد، وعدد من الأشخاص في الحكومة، على غرار وزير الداخلية، ملتزمون بإحراز تقدّم. لكن هناك معارضة. يرتبط التقدّم أيضاً بعدد من المسائل السياسية التي يتعلّق بعضها بإعادة توزيع الدوائر في الانتخابات التشريعية المزمع إجراؤها قريباً، والحاجة إلى الإقرار بالحقوق السياسية والاجتماعية والاقتصادية للسكّان الشيعة. لا تقتصر المسألة على التحقيق في الانتهاكات وما شابه. يعاني الشيعة من مشكلات اجتماعية واقتصادية جوهرية جداً لم تتم معالجتها حتى الآن، ويجب المبادرة إلى إيجاد حلول لها.

لا يعرف أحد في شكل مؤكّد ما هو عدد الشيعة في البحرين. قد يكون أكثر من 60 في المئة. إذاً يصبح السؤال: هل تتمتّع هذه الشريحة من السكّان بتمثيل نسبي متكافئ في العملية التشريعية؟ ما هي حصّتها من الثروة الاقتصادية بالمقارنة مع الشرائح الأخرى؟ إذا نظرنا إلى الديمغرافيات الاجتماعية، نجد أن الشيعة يعيشون في المدن، وهم مقيّدون جغرافياً إلى حد كبير ويتعذّر عليهم التوسّع، لأنهم لا يستطيعون الوصول إلى الأراضي المحيطة بهم والتي يملكها إما أثرياء وإما الحكومة. نتيجةً لذلك، الكثافة السكانية مرتفعة في المناطق الشيعية. كما أن مستوى التعليم وسواه من الخدمات العامة ليس مناسباً في هذه المجتمعات. ثمة طرق لمعالجة هذا الوضع. من الأمثلة التي أدعو إلى الاقتداء بها إلغاء الفصل العنصري في المدارس في الولايات المتحدة بعد خمسينيات القرن العشرين، من خلال اختلاط الطلاب عبر نقلهم في الحافلات. من المهم جداً استخدام النقل في الحافلات لدمج الأجيال المقبلة من الشيعة والسنّة، من أجل تهدئة الاختلافات والحد منها، فيصبح الأشخاص مواطنين بحرينيين بدلاً من التعريف عن أنفسهم بأنهم سنّة أو شيعة، ويؤمنون بدولة حيث يمكنهم التعاون معاً. يجب العمل على هذه المسائل التي لم تتم معالجتها بعد.

المونيتور: تصاعدت وتيرة أعمال العنف والتفجيرات بواسطة السيارات المفخخة في البحرين. فهل يتأتى هذا، في رأيكم، من إخفاق العملية السياسية أو تشدّد بعض المجموعات المعارِضة داخل البلاد أو تدخّل أطراف خارجية؟

بسيوني: في غياب الوقائع المثبتة، يصعب التكهّن إذا كانت أطراف خارجية، وفي هذا الإطار يُشار تحديداً إلى إيران، تُحرِّض على الاضطرابات. يسود منطق شعبي بأنه لدى إيران مصلحة في إثارة النعرات. نعم، لدى إيران مصلحة في زعزعة الاستقرار في دول الخليج، ولديها أهداف إمبريالية في الخليج والعالم العربي. من السذاجة القول بأنه ليست لدى إيران أهداف جيوساسية في المنطقة. السؤال هو إذا كانت تعمل فعلاً على تحقيقها أم لا؛ لا أعرف الجواب، ولذلك لا يمكنني التكهّن، لكن الاحتمال قائم.

ما نجهله هو أن الشيعة يتألفون في غالبيتهم من الشباب نظراً إلى الزيادة في أعداد السكان. وهؤلاء الشباب محبطون جداً. وهذا الواقع لا يقتصر على البحرين، بل نشهده أيضاً في بلدان أخرى في العالم. عندما لا يكون لدى الأشخاص أمل بأن تتم معاملتهم كمواطنين متساوين، ولا بالحصول على فرص متساوية في بلد ما، ويعيشون في مناطق تعاني بمعظمها من الحرمان الاقتصادي وذات كثافة سكّانية عالية، ينفجرون. هذه ظاهرة سوسيولوجية طبيعية جداً. لا تقتصر على البحرين، بل يمكن أن تُعمَّم على العالم بأسره. وقعها أكبر في البحرين لأنها بلد صغير، وستستمرّ حكماً في التعاظم حتى نعالج الأسباب الاجتماعية والاقتصادية.

المونيتور: رفضت اللجنة البحرينية المستقلة لتقصّي الحقائق الادّعاءات بأن إيران تقف وراء التحريض على الاحتجاجات وأعمال العنف في البحرين. هل ما زلتم تعتقدون أن إيران لا تؤدّي دوراً في تحريك الاضطرابات في البحرين؟

بسيوني: لم نرفضها، بل قلنا ببساطة إنه ليست لدينا إثباتات على ذلك. سألتُ رئيس الاستخبارات وأجهزة حكومية أخرى إذا كانت لديهم أي أدلة لتقديمها لنا، فلم يُقدّموا أي أدلة. لست أقول إنها ليست موجودة، بل إننا لم نحصل على الإثباتات. ولذلك لم نتمكّن من الوصول إلى ذلك الاستنتاج. لست الآن في موقع يخوّلني الاطلاع على أي من الوقائع لبلوغ مثل هذا الاستنتاج. إنها مجرد تكهنات، لكن يمكن أن تسير في الاتجاهَين. إذا كان التكهّن بأن إيران تقف خلف هذه الأحداث، كما يقول كثرٌ، فأنا أظن أنه لو أرادت إيران أن تحرّض على شيء من هذا القبيل، لكانت الأضرار أكبر بكثير. الاضطرابات وأعمال العنف محدودة جداً بحيث لا يمكن القول بأنها تحدث على نطاق واسع. لو كان هناك تدخّل إيراني، لما حصل بالتأكيد عند هذا المستوى المتدنّي جداً. أما إذا كان السؤال هل تستطيع إيران تصعيد الوتيرة في مرحلة ما، فالاحتمال وارد بالتأكيد.

المونيتور: كيف تنظرون إلى عملية المصالحة والحوار الوطني في هذه المرحلة؟ هل أنتم راضون عن التزام الحكومة؟ كيف تقوِّمون التزام حزب الوفاق وسواه من العناصر المعارِضة؟

بسيوني: الشيء الوحيد الذي يمكنني قوله هو أنني أعلم أن ولي العهد ملتزم جداً على هذا الصعيد. لطالما أعجبت به لصوابية رأيه ولرغبته في التنفيذ. لست مطلعاً على ما يجري داخل الدوائر المغلقة، لذلك لا أعرف ما الذي عُرِض وما الذي لم يُعرَض وما الذي رُفِض. من الواضح أنه لم تتحقّق أي نتائج. يجب استكشاف الأسباب التي حالت دون التوصّل إلى نتائج.

لم تولّد عملية المصالحة والحوار الوطني الكثير، لذلك لست واثقاً من أنها تسلك المسار الصحيح.

More from Antoun Issa

Recommended Articles