تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

سيناء ووهم التنمية.. بعد 32 عاماً على التحرير

Former Egyptian president Hosni Mubarak waves from his room during a celebration by his supporters of the 32nd anniversary of the liberation of Sinai in front of Maadi military hospital on the outskirts of Cairo April 25, 2014. Mubarak under house arrest in the hospital faces retrial for charges of complicity in the killings of protesters during the 2011 Egyptian uprising. REUTERS/Amr Abdallah Dalsh  (EGYPT - Tags: ANNIVERSARY POLITICS CIVIL UNREST TPX IMAGES OF THE DAY) - RTR3MNVK

"25 أبريل.. ذكرى تحرير سيناء، من أكثر الأيام التي أكرهها في حياتي". بهذه الكلمات عبّر الناشط السيناوي أحمد الغول على حسابه على موقع التواصل الاجتماعي"فيسبوك"، عن غضبه الشديد من تحوّل ذكرى تحرير شبه جزيرة سيناء من الاحتلال الإسرائيلي في العام 1982 إلى أكذوبة كبيرة على حدّ تعبيره، تستخدمها الحكومة وماكينتها الإعلاميّة في تصريحاتها التي تضمّنها أرقاماً بالمليارات (وهميّة) يفترَض أنها تخصّص لتنمية سيناء، في كل عام.

وتجدر الإشارة إلى أن عدد سكان سيناء لا يتعدى نصف مليون مواطن يعيشون على مساحة تبلغ ثلاثة أضعاف مساحة الدلتا وتقدّر بـ 6% من مساحة مصر، وهم يشكّلون نسبة أقل بكثير من 1% من عدد سكان مصر. وتعاني سيناء من التهميش والفقر نتيجة إهمالها من قبل الحكومة المركزيّة في القاهرة، وتبلغ نسبة الفقر فيها أكثر من 45% من عدد السكان، وفقاً لخريطة الفقر الصادرة عن الصندوق الاجتماعي للتنمية عن عام 2013.

وعلى الرغم من الإسهاب في الحديث عن تنمية سيناء منذ إصدار وثيقة تحمل اسم "المشروع القومي لتنمية سيناء" أقِرّت في مجلس الشعب في أيلول/سبتمبر 1995 لدعم سيناء بسبعين مليار جنيه مصري (من المفترض أن ينفّذ المشروع في فترة ممتدة من العام 1995 إلى العام 2017)، إلا أن الباحث السيناوي مصطفى سنجر يرى في حديث إلى "المونيتور" أن سيناء لا تُذكر إلا في المناسبات القوميّة المتعلقة بتحريرها. ويقول "الحديث عن مشروعات عملاقة لتنمية سيناء مجرّد مداعبات لأهل المكان تطفو في خلال المناسبات القوميّة أو في خلال التهاب الأوضاع في سيناء أو في برامج المرشّحين للرئاسة وللانتخابات البرلمانيّة. أما في غير ذلك، فلا تجد إلا التهميش والإهمال".

يضيف سنجر أن "حاجات المواطن الرئيسيّة والأساسيّة ما زالت تعاني نقصاً حاداً. فمن غير المعقول أن نتحدّث عن تنمية بمليارات الجنيهات على أرض تخلو من بنية تحتيّة سليمة". ويشرح "أنا كمواطن أجد مشقّة في الحصول على الماء والعلاج الملائم، وكذلك التعليم الجيّد. وأيضاً، لا توجد طرقات صالحة من دون حفر، ولا شبكة كهرباء جيّدة... هذه الاحتياجات الأساسيّة لي كمواطن، غير متوفّرة. فماذا تعني التنمية والمليارات في الخطابات الشعبويّة والاحتفالات الوهميّة للدولة في وسائل الإعلام".

حلم تنمية سيناء عبر مدّ أراضيها بمياه ترعة السلام، كان المشروع القومي الأضخم الذي تحدثت عنه الحكومات المتعاقبة، بداية مع نظام الرئيس المخلوع حسني مبارك ومن ثمّ في الفترة الانتقاليّة وكذلك في أثناء نظام الرئيس المعزول محمد مرسي وحتى الآن. لكن سليمان عيد وهو أحد مزارعي قرية الشهداء الواقعة في منطقة مشروع ترعة السلام على بعد 70 كيلومتراً غرب العريش عاصمة شمال سيناء، يقول إن ما جرى على الأرض كان بعيداً تماماً عن ذاك المشروع-الحلم، لتبقى تنمية سيناء كلاماً على ورق ومداولات في الغرف المغلقة وتصريحات في وسائل الإعلام.

وقد رافق سليمان "المونيتور" في جولة للتحقّق من مدى صحّة مضمون الخطب الحكوميّة والإعلاميّة في الأعياد الرسميّة حول ترعة السلام. هناك، شاهدنا أرضاً صفراء وأعواد شجيرات جافة خسرت أوراقها منذ زمن. فيشير سليمان إلى أن تلك كانت أشجار زيتون، وأن الصحراء التي تحتلّ المشهد اليوم في قريته كانت خضراء. ويتذكّر سليمان كيف كانت تبدو أرضه قبل ثلاث سنوات، ويقول "كنا في موسم الزيتون واقترب وقت الحصاد.. لكنهم [الحكومة] قطعوا مياه الترعة عن الأرض. وانتهى كل شيء".

ويلفت سليمان إلى أن "مشروع ترعة السلام كان مصدر أمل لأهالي سيناء، لكنه تحوّل في العام 2010 إلى سدّ منيع يحجب عن أراضيهم ومزروعاتهم المياه بعد أن قرّرت الدولة قطع المياه عنهم ووقف استكمال المشروع". يضيف أنه "في العام 2000 وعدنا الرئيس المخلوع مبارك أن من يزرع الأرض سوف يتملكّلها. وبعد عشر سنوات قطعوا عنا المياه ليتركونا ضحايا لجحيم الصحراء".

والإهمال الذي طال ترعة السلام امتدّ أيضاً إلى مشروع خطة سكة الحديد الإسماعيليّة–رفح، الذي أنشأت الدولة المرحلة الأولى منه. وسكّة الحديد تمتدّ على مسافة مئة كيلومتر من الإسماعيليّة إلى بئر العبد في شمال سيناء. كذلك طال الإهمال جسر الفردان المعدني. ومصير هذا المشروع الحيوي بعد أن أوقفت الدولة العمل به فجأة، صار اليوم بيد اللصوص الذين ينزعون القضبان الحديديّة ثم يغادرون المكان من دون أن يقاومهم أحد، وفقاً لشهادات الأهالي.

وفي تقرير صادر عن محافظة شمال سيناء يرصد الوضع الحالي للمشروع، نقرأ "على الرغم من كبر حجم الاستثمارات المصروفة على المشروع، إلا أنه لم يظهر أي عائد تنموي حتى الآن على أبناء المنطقة بخاصة في زمامَي رابعة وبئر العبد". ويشير التقرير أيضاً إلى "تأخّر بدء العمل في منطقة السر والقوارير (وسط سيناء) على الرغم من خصوبة أراضيها وأهميتها للأمن القومي". وعلى الرغم من صراحة تلك التقارير الرسميّة، إلا أنها ما زالت عاجزة عن تقديم إجابة واضحة لأسباب توقّف مشروع ترعة السلام ومعظم المشروعات القوميّة في سيناء.

وتأكيداً على ذلك، يقول موظف في إدارة المعلومات في محافظة شمال سيناء فضّل عدم الكشف عن هويّته لدواع أمنيّة في حديث إلى "المونيتور"، إن "ثمّة لغزاً حيّرني طوال سنوات عملي في شمال سيناء". ويسأل "مشروع ترعة السلام كلّف الدولة أربعة مليارات و800 مليون جنيه.. فلماذا امتنعت الحكومة حتى اليوم عن توزيع الأراضي على الأهالي؟". يضيف "الدولة وزّعت أراضي منطقتَي سهل الطينة والقنطرة شرق (التابعتَين للإسماعيليّة وبور سعيد) لكن الجزء الخاص بسيناء لم يتمّ توزيعه حتى الآن".

ويوضح الموظف ذاته أن "تخبّط القرارات الحكوميّة ساعد في تعطيل الكثير من المشروعات القوميّة في سيناء.. وما حدث في ترعة السلام أكبر دليل على ذلك. ففي البداية كانت وزارة الري مسؤولة عن البنية التحتيّة للترعة وإنشاء المآخذ بينما كانت وزارة الزراعة مسؤولة عن توزيع الأراضي". يضيف "في العام 1994 صدر قرار جمهوري يحمل الرقم 103 ويقضي بإنشاء الجهاز التنفيذي لمشروع تنمية شمال سيناء. ثم في العام 2002 صدر قرار جمهوري آخر ينصّ على تحويل جهاز تنمية شمال سيناء إلى شركة قابضة. وأخيراً صدر قرار جمهوري ثالث في العام 2006 بإلغاء الشركة القابضة وإعادة الإشراف على المشروع إلى وزارتَي الري والزراعة".

وكان رئيس مجلس الوزراء الأسبق الدكتور كمال الجنزوري قد أشار في تصريحات صحافيّة له أطلقها في اتصال هاتفي مع برنامج "90 دقيقة" عبر فضائيّة "المحور" في 26 نيسان/أبريل الجاري، إلى أن الإرادة السياسيّة في عهد الرئيس مبارك لم تكن ترغب في تعمير سيناء ولا أن يسكنها أحد. أضاف أنه  سعى عندما كان وزيراً للتخطيط العمراني إلى إخراج الكثافة السكانيّة من الدلتا إلى سيناء وتنميتها، إلا أن إسرائيل كانت ترفض أن يقوم هناك تجمّع بشري كبير.

وعلى عكس ذلك تماماً، صرّح رئيس الاستخبارات المصريّة السابق اللواء مراد موافي الذي حلّ ضيفاً على برنامج "90 دقيقة" نفسه، أن الحديث عن وقف تنمية سيناء بسبب إسرائيل هو "كلام عبثي وأوهام روّجها أعداء النظام السابق". لكن موافي الذي شغل منصب محافظ شمال سيناء من الثالث من كانون الثاني/يناير 2010 حتى 31 كانون الثاني/يناير 2011، أعلن عدم معرفته بأسباب توقّف تنمية سيناء قائلاً "سيناء معمولها عمل" [أي إنها مسحورة].

Start your PRO membership today.

Join the Middle East's top business and policy professionals to access exclusive PRO insights today.

Join Al-Monitor PRO Start with 1-week free trial