بدأت آثار الأزمة السياسيّة التي تعصف بالبلد الصغير والتي أدّت إلى شلل شبه كامل في مؤسساته الدستوريّة، تظهر على مستوى نسيجه الاقتصادي والاجتماعي. فحال التراجع لم يعد فقط مقتصراً على مستوى الماليّة العامة والدين العام وقد شهدنا للسنة الثالثة على التوالي تنامياً في عجز الخزينة بالتلازم مع ارتفاع في نسبة الدين العام على الناتج المحلي، إنما بدأ هذا التراجع يطال المواطنين اللبنانيّين على مستويَي "جيوبهم" و"عيشهم". فانحسار النمو الأقتصادي وتفاعل الأزمة السياسيّة نتيجة عجز الطقم السياسي على التفاهم على الحدّ الأدنى الذي يجنّب البلد آثار الحرب الإقليميّة الدائرة في سوريا واستشراء الفساد وسوء الإدارة، كل هذه عوامل تساهم في إفقار اللبنانيّين وتقضم ثرواتهم وتدفع بهم نحو الهجرة وبالتالي تفاقم الخلل البنيوي لبيئتهم الاقتصاديّة والاجتماعيّة.
في تقريره الأخير الصادر منذ أيام للعام 2013، يقدّر بنك الاستثمار العالمي "كريدي سويس" الثروة الصافية للشخص البالغ في لبنان بـ 30 ألفاً و868 دولاراً أميركياً في نهاية حزيران/يونيو من العام 2013. وذلك بعد ما كان قد سجّل معدّل 31 ألفاً و615 دولاراً في نهاية حزيران/يونيو من العام 2012، أي بما يشكّل تراجعاً بنسبة 1.5%، بعدما بلغ ذروة 35 ألفاً و615 دولاراً في نهاية العام 2007.
ويشير التقرير أيضاً إلى أن مقدار الدين للشخص البالغ ارتفع إلى 9 آلاف و858 دولاراً في نهاية حزيران/يونيو 2013، بعدما كان قد بلغ 8 آلاف و340 دولاراً في حزيران/يونيو من العام 2012. وهذا مؤشّر إلى تضاؤل معدّل الثروة الصافية للفرد الواحد وزيادة مديونيّته، وذلك نتيجة الظروف السياسيّة المضطربة وعجز الطبقة الحاكمة عن تدارك الأمور وقيادة البلاد باتجاه الاستقرار والإصلاحات الضروريّة لإطلاق عمليّة النموّ.
إلى ذلك يشير تقرير "كريدي سويس" إلى أن 68% من اللبنانيّين البالغين لا يتعدّى مجمل ثروتهم عشرة آلاف دولار بحسب ما قيست في نهاية حزيران/يونيو 2013، بينما 29.8% منهم تتراوح ثروتهم بين عشرة آلاف ومئة ألف دولار، في الوقت الذي تفوق ثروة 3.2% من اللبنانيّين البالغين مئة ألف دولار. ووحدها نسبة 0.3% من هؤلاء الأخيرين، تتخطّى ثروتهم المليون دولار. وهذه الأرقام إن دلّت على شيء إنما تدلّ على التفاوت في توزيع الثروة في ما بين أهل البلد الواحد وما يحمل ذلك من دلالات وتحديات لجهة الاستقرار الاقتصادي والأمن المجتمعي. وتشكّل هذه الأرقام مقياساً لحجم الطبقة الوسطى التي لا تتعدّى ووفق الأرقام أعلاه وفي أقصى الحدود نسبة 33%، أي ما يعادل ثلث البالغين في لبنان. وغنيّ عن التذكير أن الأوطان بخير طالما طبقاتها الوسطى بخير وحجمها إلى اتساع. فالطبقة الوسطى هي بمثابة العامود الفقري للديمقراطيّة بالإضافة إلى كونها مدماكاً أساسياً في بنيان الأمن الاجتماعي وخزاناً للطاقات الخلاقة ومصدراً لميزاتها التفاضليّة.
AL-MONITOR All-Access gives you unlimited access to all our journalism, the full Daily Briefing, exclusive interviews, premium newsletters, and live events — for less than $2/week.