تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

الفنان التشكيلي في غزّة مجرّد من أدواته

Hawajiri.jpg

برامج الكمبيوتر وأشكال الفن المعاصر وأدوات البيئة والمطبخ والدهانات، صارت البديل الذي يلجأ إليه للفنانون التشكيليّون في قطاع غزّة عوضاً عن ألوان الأكريليك وتلك الزيتيّة والفراشي العاديّة.

ويقول هنا الفنان التشكيلي محمد الحواجري من مجموعة "التقاء" للفن المعاصر، إن "أدوات الفن تناقصت تدريجياً منذ العام 2007، وتفاقمت ندرتها في أشهر الحصار الأخيرة. فأصبحنا نستخدم ألوان الدهانات التي لا تصلح للرسم والتي ليست مخصّصة للأعمال الفنيّة. وبسبب هذه المواد تفقد اللوحة جودتها، وتتأثر بعوامل الطقـس فيصبح عمرها أقصر".

ويشير لـ"المونيتور" إلى أنهم وبسبب ذلك لجأوا كفنانين إلى بدائل أخرى كأشكال الفن المعاصر، مثل فنّ الفيديو أو "فيديو آرت" وأعمال تركيبيّة أو "إنستوليشن"..

بهارات!

ويذكر الحواجري أحد معارضه الفنيّة الذي استخدم فيه البهارات لرسم لوحاته. وقد أطلق عليه اسم "روح وروائح". ويلفت إلى أن تلك البهارات حظيت باهتمام كبير، لأنها عبّرت عن الهروب من تضييق الحصار على الفنان، وفيها الكثير من ثقافة الشرق فضلاً عن أنها أضافت بعداً آخر على اللوحات.. ليس فقط رؤيتها بل وتنشّقها أيضاً.

ومن البهارات إلى السجادة الحمراء، نقل محمد الحواجري في عمله الأخير ما آلت إليه الأوضاع في غزّة، من دون أن يستخدم الألوان والفراشي. فراح يضع سجادة حمراء أمام كلّ ما صار له قيمة في غزّة، لنجد تلك السجادة أمام أنبوبة الغاز أو أمام البحر وقد نصب باب مشرّع على البحر ينتظر حضور المتضامنين الأجانب أو أمام أحد الأنفاق القليلة التي ما زالت تعمل.

وعن هذا العمل يقول الحواجري "تناولت الحصار بشكل كوميدي وبأقل قدر من الأدوات الفنيّة. فالفكرة هي السجادة الحمراء التي نعرف أنها تُستخدم للرؤساء، لكن لا يوجد عندنا رؤساء، بل عندنا ما هو أهمّ من طقوس البروتوكول هذه. هي اللحظات التي تعود فيها الكهرباء بعد انقطاع ويحضر المتضامنون من البحر وتصل البضائع عبر الأنفاق. تلك أمور يعتبرها المواطن الأَولى فعلاً بالسجادة الحمراء".

مخلفات البيئة

ومن كوميديا الحواجري السوداء إلى مخلفات البيئة في لوحات الفنان باسل المقوسي الذي التقاه "المونيتور" في محترف "شبابيك" الفني. هو يوضح أنه باستخدام مخلفات البيئة كالخشب والحديد والصُحف، أصبح بإمكان الفنان إنجاز لوحته من دون أن يتعب وهو يبحث في السوق عن أدوات فنيّة. يضيف "وحتى إن وجدت الألوان والفراشي، فإنها ستكون باهظة الثمن".

ما زالت لوحات معرض "أبعاد" الأخير الذي نظمه محترف "شبابيك"، معلّقة على جدران المحترف. هي خالية من أي نوع من البذخ، وتتناسب وأسلوب الفن الحديث صديق البيئة. فتجد الملابس القديمة والأعمال التركيبيّة التي تستخدم بقايا الدمى وقطع الأسلاك وألواح الخشب والقماش والشبكات الحديديّة، أي شيء يمكن أن يحمله الفنان ليعبّر عن ذاته وإحباطه وأمله، لدرجة أن ثمّة أعمالاً تركيبيّة أُنجزت من الخبز والزنجبيل.

ويشير المقوسي إلى اللوحات قائلاً "يحمل هذا المعرض رسالة مفادها أن الزمن يتغيّر وأن نظرة الفنان تتطوّر. لكن الحصار باقٍ على ما هو عليه".

يضيف أن "اشتداد الحصار والاحتكار جعل ثمن أنبوبة اللون الواحد يصل إلى 14 دولاراً أميركياً بعدما كانت بأربعة دولارات"، مشيراً إلى أن آخر مشاريعه الفنيّة يتعلّق بإدخال حروف الخطّ العربي على لوحاته الفنيّة القديمة عبر برامج تصميم إلكترونيّة.

أدوات المطبخ

وهذا الوضع جعل الفنان أمام خيارات قليلة للرسم والتعبير. فنجد الفنان شريف سرحان، لا يتوانى عن إيجاد البدائل. فيقول "لا نستطيع أن نعثر على كلّ الأدوات والألوان. فعلى سبيل المثال اللونَين الأبيض والأسود مفقودَين في السوق بسبب الإقبال الكثيف عليهما. كذلك قد لا نجد الفرشاة التي نريدها. فمثلاً احتجت فرشاة جلديّة لإحدى لوحاتي مؤخراً، وحين لم أجد واحدة استخدمت فرشاة القشدة المخصّصة للحلويات".

ويوضح لـ"لمونيتور" أن الأمر يتكرّر في ما خصّ إطارات اللوحات. فقد أصبح الفنان يلجأ إلى النجارين لصنعها. أما قماش اللوحة وهو نوع من القماش المعدّل، فيندر وجوده في أسواق غزّة. واذا وجده الفنان لا يكون بالمقاييس المناسبة. لذا أصبح عدد كبير من الفنانين يستخدم الكرتون بديلاً عنه".

ويرى سرحان أن ثمة تأثيرات أخرى للحصار على الفنان كاضطراره إلى تقديم مشاريع فنيّة لبعض الجهات والمؤسّسات بهدف الحصول على تمويل لها والمساعدة في التكاليف. بالتالي يضطر إلى الرسم تحت عناوين محدّدة سلفاً، "كنبذ العنف ضدّ المرأة وانتهاكات حقوق الإنسان".

يضيف "وهذا النوع من المشاريع يؤثّر على المبادرة الإبداعيّة لدى الفنان التي من المفترض أن تخرج من داخله من دون تعليمات من أي كان لتأتي في إطار مشاريعه المستقلة والحرّة، إلا في حال كان مشروعه المموّل يتناسب مع لحظة إبداعه ورغباته".

برامج الكمبيوتر

الفنان ماجد شلا الذي التقاه "المونيتور" في محترف "شبابيك"، لم يكن يقف أمام لوحته ويحمل ألوانه، بل كان يجلس أمام جهاز الكمبيوتر ويرسم من خلال برامج التصميم. يقول "أصبحت من خلال برامج التصميم هذه، أعمل على رسم لوحاتي القديمة من جديد وضمن رؤية فنيّة مغايرة. فأحصل على لوحات مختلفة بألوان الكمبيوتر، وأحياناً أدمج أكثر من لوحة من لوحاتي مع بعضها البعض من دون استخدام ألواني وبقيّة حواسي".

ويرى شلا أن التأثير الآخر للحصار على الفنّ يرتبط بالمعابر وبعدم قدرة الفنان على السفر للمشاركة في ورش العمل والدورات التدريبيّة لتطوير نفسه. ويلفت قائلاً إنه "أصبحت الآن حين أتلقى دعوة ما، لا أنظر إليها. لأني أعرف أنني لن أستطيع مغادرة قطاع غزّة".

ويوضح أنهم (الفنانون) حين يريدون عرض أعمالهم في الخارج، لا يستطيعون إرسالهاللمشاركة. واذا نجحوا في ذلك، فمن الصعب استعادتها. لكنه يشير إلى أنهم وجدوا "حلاً أخيراً. وهو عرضها بواسطة المسلاط كما حدث في أحد معارض القاهرة مؤخراً".

ويلفت شلا إلى أنه في الماضي كان ثمّة اهتمام من قبل المواطنين بالفنّ إلى حدّ ما. لكن مؤخراً أصبح همّهم الوحيد الحصول على أنبوبة الغاز وعودة الكهرباء والحصول على راتب جيّد. ويتابع "لا ألوم المواطن على تغيير اهتماماته في ظلّ غلاء كبير يبدأ بكيلوغرام السكر ولا ينتهي بفرشاة الألوان".

More from Asmaa al-Ghoul

Recommended Articles