ثمّة قناعة راسخة لدى حزب الله تقول بأنه مهما تغيّر اسم رئيس الجمهوريّة الإسلاميّة في ايران، إلا أن ذلك من حيث المبدأ لن يغيّر من موقف طهران إزاء الحزب. ولدى الحزب تحليل معاكس لكلّ التوقعات التي ترى بأن مجيء رئيس لجمهوريّة إيران من التيار الإصلاحي سيؤدّي إلى تخفيف الدعم الإيراني له. من وجهة نظره، فإن القرار في طهران حول علاقتها بحزب الله ممسوك من قبل مؤسّستين ثابتتَين لا يتبدّل نفوذهما في داخل منظومة الحكم الإيراني، بغضّ النظر عن اسم الرجل الذي يصل إلى الرئاسة الأولى هناك: المؤسّسة الأولى هي المرشد الروحي للثورة الإسلاميّة الإمام الخامنئي ووراؤه الحرس الثوري الإيراني أما الثانية فهي بيئة آيات الله في قمّ الذين لهم سلطة فقهيّة ومعنويّة كبيرة في إيران .
في الأساس، حزب الله لا يتلقّى الدعم المالي من الدولة الإيرانيّة بل من أموال الخمس (بحسب الفقه الشيعي، يتوجّب على الأغنياء دفع نسبة الخمس من أموالهم لمراجعهم الدينيّة) التي تصل إلى قمّ والمرشد الخامنئي، من الشيعة حول العالم. وتقدّر محاصيل الخمس بمئات ملايين الدولارات في كل عام. وهذه أموال لا سلطة للدولة الإيرانيّة عليها، بل يعود القرار بكيفيّة توزيعها لآيات الله ولمرشد الثورة.
ويقود التمعّن بالتفاصيل الناظمة لعلاقة حزب الله بإيران إلى الاكتشاف بأنها علاقة على صلة بمراكز القوى الدينيّة والأيديولوجيّة في داخل الدولة وليس بمؤسّسات الدولة الرسميّة. فالحرس الثوري هو قوّة الثورة المنظّمة والموازية للبنية السياسيّة والعسكريّة الرسميّة. ومع الوقت، أصبح الحرس هو هيئة الدفاع الأولى في إيران وهو ذراعها العسكري المنفّذ لقرار المرشد في الداخل والخارج على حدّ سواء. كذلك، للحرس أذرع عسكريّة مهمّة في خارج إيران. ويُعتبَر حزب الله أحد هذه الأذرع ، على الرغم من أن الأخير يحتفظ باستقلاليّة إلى حدّ ما على مستوى هيكليّته العسكريّة وهامش مناوراته في داخل لبنان. وقد تمّ تصميم هيكليّة قياديّة عليا لحزب الله، تحاكي القيادة العليا للحرس الثوري. وهي تتشكّل من مجلس جهادي يتردّد أن عدد أعضائه سبعة يترأسهم الأمين العام للحزب السيّد حسن نصر الله وهم ممثلّون عن العسكر والأمن بالإضافة إلى إيراني منتدب لمهمّة التنسيق الدائم من قبل طهران. ومعروف في هذا السياق أن الضابط الأكثر فعاليّة على المستوى الميداني في الحرس هو الجنرال قاسم سليماني المسؤول المفوّض من قبل المرشد الأعلى وقيادة الحرس الثوري لإدارة أذرع إيران العسكريّة المباشرة أو غير المباشرة في كلّ من العراق وسوريا (قوات من حزب الله العراقي وحزب الله اللبناني تقاتل في سوريا حالياً، بالإضافة إلى قسم كبير من الجيش الشعبي الذي قارب عدده بحسب معلومات متقاطعة 200 ألف عنصر) ولبنان (حزب الله وسرايا المقاومة) واليمن (الحوثيّون) والسودان وغزّة (الجهاد الإسلامي).
وفي كلّ الأحوال، إن حزب الله هو جزء عضوي من مؤسّسة الحرس الثوري الإيراني ومن القوّة الأيديولوجيّة الحاكمة في إيران. لذلك فإن علاقة طهران به لا تخضع إلى معنى سياسي صرف بل إلى معنى عقائدي أيضاً. ويصطفّ الحزب ضمن خارطة التوزيع السياسي في إيران، إلى جانب خطّ المرشد في مواجهة خطّ الإصلاحيّين. لكن لا بدّ من الملاحظة في هذا المجال بأن الصراع الداخلي هناك في جزء كبير منه، لا يدور ما بين أنصار الثورة الإسلاميّة ومناهضين لها بل بين وجهتَي نظر في داخل الثورة الإسلاميّة.. الأولى تدعو إلى التشدّد والثانية تدعو إلى الاعتدال. لكن كلا الطرفَين يؤمنان بولاية الفقيه، أو أقلّه الجناح الإصلاحي حتى الآن لا يرفع شعار إسقاطها أو تحدّيها. وفي داخل حزب الله، برزت في فترات معيّنة اتّجاهات تحاكي التوزيع على الساحة السياسيّة الداخليّة في إيران. فخلال عهد الرئيس محمد خاتمي الإصلاحي، برز اتّجاه في داخل الحزب مؤيّد للأخير. وقامت قيادته بإقصاء بعضهم من الحزب عقاباً لهم على موقفهم هذا، وأبرزهم نايف كريّم الذي شغل لفترة منصب المسؤول الإعلامي المركزي لحزب الله. وأكثر من ذلك، كان قد برز في داخل الساحة الشيعيّة اللبنانيّة المؤيّدة لإيران العلامة السيّد محمد حسين فضل الله الذي رفع قبل وفاته قبل أعوام شعار "عدم ربط شيعة لبنان بالولي الفقيه في طهران". وكانت ثمّة نسبة كبيرة من أعضاء حزب الله الذين يقلّدون فضل الله -نسبة إلى "تقليد"، أي إنهم يلتزمون بالفتوى (الإرشاد) التي يصدرها حول كيفيّة تطبيق واجبات دينيّة على صلة بشؤون حياتهم الزمنيّة-، وذلك لأنه كان يعتبر المرشد الديني للحزب في زمن الإمام الخميني الذي شهد بدايات ولادة الحزب. لم يعارض فضل الله مبدأ ولاية الفقيه، لكنه عارض أن يكون ثمّة وليّ فقيه واحد لكل شيعة العالم. واعتبر أنه بوجود الإمام الخميني، كان يمكن الحديث عن وليّ فقيه واحد لكلّ المسلمين الشيعة في العالم كون الخميني كان إماماً استثنائياً، لكن بعد وفاته فإنه يتحتمّ على إيران مراعاة خصوصيات التجمّعات الشيعيّة في العالم إذ إن ظروفها وطبيعة مشاكلها واحتياجاتها تتغيّر من دولة إلى أخرى. وعليه، فإن المطلوب هو أن تقوم مرجعيّة دينيّة للشيعة خاصة بكلّ دولة. تصدّى المرشد في طهران لهذه النظريّة، وسانده في مناهضتها حزب الله الذي شنّ حملة تحريض كبيرة حينها ضدّ فضل الله وأنذر عناصره من مقلّدي فضل الله بأنه عليهم الانفكاك عنه والالتزام حصراً بتقليد الوليّ الفقيه العام أي الإمام علي خامنئي. وأجبر فضل الله على عدم الاستمرار قدماً بنظريّته، في مقابل إعادة تصحيح علاقته بطهران وبحزب الله.
AL-MONITOR All-Access gives you unlimited access to all our journalism, the full Daily Briefing, exclusive interviews, premium newsletters, and live events — for less than $2/week.